تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
والقاصي في الانبساط إلى حضرة جلاله برفع الحاجات والأماني بقوله :
فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
[ البقرة : 186 ] والصلاة على محمد سيد أنبيائه وعلى آله وأصحابه خيرة أصفيائه وسلم تسليما كثيرا . أما بعد ، فليس بعد تلاوة كتاب اللّه عز وجل عبادة تؤدى باللسان أفضل من ذكر اللّه تعالى ورفع الحاجات بالأدعية الخالصة إلى اللّه تعالى . فلا بدّ من شرح فضيلة الذكر
شرح
ذكرها في فضيلة الدعاء ، ( فأطمع المطيع والعاصي والقاصي ) هو البعيد ( والداني ) هو القريب ( في الانبساط إلى حضرة جلاله برفع الحاجات والأماني ) جمع أمنية وهي كل ما يتمناه الإنسان ، ( بقوله ) جل وعزوَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي ( فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ )[ البقرة : 186 ] وفي الآية إشعار بالاستجابة ، وفيها لطائف سيأتي ذكرها في فضيلة الدعاء ، ( والصلاة ) التامة الكاملة ( على محمد سيد أنبيائه ) أي رئيسهم إن خلقا وإن خلقا ( وعلى آله وصحبه خيرة أصفيائه ) يقال : رجل خير ككيس ذو خير ، وقوم أخيار وخيرة والأصفياء جمع صفي وهو المختار ، والمعنى أن آله وأصحابه هم المختارون لصحبته وهم ذوو الخير والفضل والمجد ، أو خيار المختارين الذين اصطفاهم اللّه تعالى لمحبته وعشرته ( وسلم ) تسليما ( كثيرا ) . ( أما بعد ؛ فليس بعد تلاوة كتاب اللّه عز وجل ) ودراسته ( عبادة ) تعبدنا اللّه بها ( تؤدى باللسان ) وبالجنان أيضا ( أفضل من ذكر اللّه تعالى و ) لا أعظم من ( رفع الحاجات إليه بالأدعية الخالصة ) وهي التي تكون بإخلاص قلب وإمحاض نية ( إلى اللّه تعالى ) خاصة لما فيها من إظهار عز الربوبية من ذل العبودية ، وبها تحصل السعادة الأبدية والحياة السرمدية وهي الوصلة إلى الجنان والوسيلة إلى النظر والرضوان ، ويحصل للداعي ما لا يحصل بغيره من العبادات لأن انتفاعه بفعله العبادات ، ونفع الدعاء يقع في الحياة والممات فيكون الوالد لولده حيا وميتا ، وكذا الولد لوالده والحبيب لحبيبه والقريب للبعيد والبعيد للقريب وهو مظنة بالإجابة بدليل تأمين الملك . وقوله : ولك مثله مع سهولة الدعاء وعدم تقيده بمكان ولا زمان ، والدعاء واصل للمدعو له بإجماع ، وكذا الصدقة عن الميت بخلاف غيره من العبادات ففي وصولها إليه خلاف ، وفي قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « الدعاء مخ العبادة » ولم يرد ذلك في غيره من العبادات لطيفة ، وهو أنه لما كان المخ من أعضاء الحيوان هو المغذي لها والمقوم لاستدامة بقائها شبه الدعاء به ، لأنه يعمل هذا العمل ووجه تخصيصه بذلك من دون سائر العبادات اشتماله على حضور قلبي لا يوجد في غيره ، فإن من تعبد بالصلاة أو الصوم أو الحج وغيرها يغلب عليه فيها الغفلة ، فإذا دعا استدعى ذلك منه مزيد حضور في قلبه ذلك الحضور هو رفع العبادة ، فلذا جاء التخصيص ويؤخذ منه تفضيل الداعي على العابد ، وذلك لما فيه مع الحضور من التذلل وإظهار الفاقة وذل العبودية وعز الربوبية ، فكل داع