تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
الحمد للّه الشاملة رأفته العامة رحمته الذي جازى عباده عن ذكرهم بذكره ، فقال تعالى :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
[ البقرة : 152 ] ورغبهم في السؤال والدعاء بأمره فقال :
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
[ غافر : 60 ] فاطمع المطيع والعاصي والداني
شرح
حيث المرحومين ولا من حيث تعلق الرحمة ، بل من حيث ما هي صفة له جل جلاله ، فإنه ليس لغير اللّه ذكر في البسملة ، ومهما ورد اسم الإله لا يتقدمه كون ولا يتأخره كون فإن ذلك الاسم ينظر فيه العارف من حيث دلالته على الذات لا من حيث الصفة المعقولة منه ولا من حيث ما يطلبه الكون . ( الحمد للّه ) أي عواقب الثناء ترجع إليه سبحانه أي بكل ثناء يثنى به على كون من الأكوان دون اللّه تعالى فعاقبته إليه بطريقين . إحداهما : إن الثناء على الكون إنما يكون بما هو عليه ذلك الكون من الصفات المحمودة ، أو بما يكون منه وعلى أي وجه كان ، فإن ذلك راجع إلى اللّه تعالى إذ كان اللّه هو الموجد لتلك الصفة ، ولذلك الفعل لا للكون فعاقبة الثناء عادت إلى اللّه تعالى . والثانية : أن ينظر العارف فيرى أن وجود الممكنات المستفاد إنما هو عن ظهور الحق فيها فهو متعلق الثناء لا الأكوان ، ثم أنه ينظر في موضع اللام من قوله : « للّه » فيرى أن الحامد عين المحمود لا غيره فهو الحامد المحمود ، وينفي الحمد عن الكون من كونه حامدا وبقي كون الكون محمودا ، فالكون من وجه محمود لا حامد ، ومن وجه لا حامد ولا محمود . أما كونه غير حامد فقد بيناه أن الفعل للّه ، وأما كونه غير محمود فإنما يحمد المحمود بما هو له لا بما هو لغيره والكون لا شيء له فما هو محمود أصلا ، كما ورد في الخبر المتشبع بما لا يملك كلابس ثوبي زور ، ( الشاملة رأفته العامة رحمته ) الشمول والعموم بمعنى واحد وهو الإكثار وإيصال الشيء إلى جماعة قاله أبو البقاء . وقال غيره : هو إحاطة الأفراد دفعة والرأفة عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة ، فهي رحمة وفي الصلة بالرحم والرحمة تعم من لا صلة له بالرحم ، والمرؤف به تقيمه الرأفة حتى تحفظ بمسراه في سره ظهور ما يستدعي العلو ، وتارة يكون هذا الحفظ بالقوة بنصب الأدلة ، وتارة يضم إلى ذلك الفعل بخلق الهداية في القلب وهذا خاص بمن له بالنعم نوع وصلة والرحمة نحلة ما يوافي المرحوم في ظاهره وباطنه . أدناه كشف الضر وكشف الأذى ، وأعلاه الإختصاص برفع الحجاب . وقال المصنف في المقصد الأسنى : عموم الرحمة من حيث تشمل المستحق وغير المستحق وعم الدنيا والآخرة وتناول الضرورات والحاجات والمزايا الخارجة عنها ( الذي جازى عباده ) أي عاملهم بالجزاء ( عن ذكرهم ) له بالقلب أو باللسان ( بذكره ، فقال تعالى :فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ .وفي الخبر : إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه فذكره لنا منوط بذكرنا له ، ( ورغبهم في السؤال والدعاء ) والطلب والتضرع ( بأمره ، فقال :ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وجاءت الأحاديث الصحيحة بالحث عليه سيأتي