إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 85
وذكر القفال الشاشي في محاسن الشريعة معنى لطيفا في إيجاب الصاع وهو : أن الناس تمتنع غالبا من الكد في العيد وثلاثة أيام بعده ولا يجد الفقير من يستعمله فيها لأنها أيام سرور وراحة عقب الصوم والذي يتحصل من الصاع عند جعله خبزا ثمانية أرطال من الخبز ، فإن الصاع خمسة أرطال وثلث ، ويضاف إليه من الماء نحو ثلثين فيأتي منه ذلك وهو كفاية النفقة أربعة أيام لكل يوم رطلان . وقال ابن الصباغ وغيره : الأصل فيه الكيل ، وإنما قدره العلماء بالوزن استظهارا . قال النووي : قد يستشكل ضبط الصاع بالأرطال ، فإن الصاع المخرج به في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلم مكيال معروف ، ويختلف قدره وزنا باختلاف جنس ما يخرج كالذرة والحمص وغيرهما ، فالصواب ما قاله أبو الفرج الدارمي من أصحابنا أن الاعتماد في ذلك على الكيل دون الوزن ، وأن الواجب أن يخرج بصاع معين بالصاع الذي كان يخرج به في عصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وذلك الصاع موجود ومن لم يجده وجب عليه إخراج قدر يتيقن أنه لا ينقص عنه ، وعلى هذا فالتقدير بخمسة أرطال وثلث تقريبا . وقال جماعة من العلماء : الصاع أربع حفنات بكفي رجل معتدل الكفين ، واللّه أعلم . فصل [ قال أبو حنيفة ومحمد : الصاع النبوي ثمانية أرطال بالبغدادي ] وقال أبو حنيفة ومحمد : الصاع النبوي ثمانية أرطال بالبغدادي وهو مذهب أهل العراق . وقال أبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار . حدثنا ابن أبي عمران ، حدثنا محمد بن شجاع ، وسليمان بن بكار ، وأحمد بن منصور الرمادي قالوا : حدثنا يعلى بن عبيد ، عن موسى الجهني ، عن مجاهد قال : دخلنا على عائشة رضي اللّه عنها فاستسقى بعضنا فأتي بعك . قالت عائشة رضي اللّه عنها : « كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يغتسل بمثل هذا » . قال مجاهد : فحزرته فيما احزر ثمانية أرطال تسعة أرطال عشرة أرطال . قال : فذهب ذاهبون إلى أن وزن الصاع ثمانية أرطال ، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث وقالوا : لم يشك مجاهد في الثمانية وإنما شك فيما فوقها فثبتت الثمانية بهذا الحديث ، وانتفى ما فوقها . وممن قال بهذا القول أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى ، وخالف في ذلك آخرون فقالوا وزنه خمسة أرطال وثلث رطل ، وممن قال بذلك أبو يوسف وقالوا : هو الذي كان يغتسل به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وذكر ما في ذلك عن عائشة رضي اللّه عنها : « كنت اغتسل أنا ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من إناء واحد وهو الفرق » رواه الزهري عن عروة عنها . والفرق : ثلاثة آصع فكان ما يغتسل به كل واحد منهما صاع ونصف ، فإذا كان ذلك ثمانية أرطال كان الصاع ثلثيها وهو خمسة أرطال وثلث رطل ، وهذا قول أهل المدينة أيضا ، فكان من الحجة عليهم لأهل المقالة الأولى أن حديث عروة عن عائشة إنما فيه ذكر الفرق الذي كان يغتسل منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهي ولم تذكر مقدار الماء الذي كان يكون فيه هل هو ملؤه أو أقل من ذلك ؟ فقد يجوز بملئه ويجوز أن يكون بأقل من ملئه مما هو صاعان ، فيكون كل واحد منهما مغتسلا بصاع من ماء ، ويكون معنى هذا الحديث موافقا لمعاني الأحاديث التي رويت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أنه كان يغتسل بصاع » .