يكن قصده من السفر استفادة العلم مهما سلم له حاله في وطنه ، فإن لم يسلم فيطلب من المواضع ما هو أقرب إلى الخمول وأسلم للدين وأفرغ للقلب وأيسر للعبادة فهو أفضل المواضع له . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « البلاد بلاد اللّه عز وجل والخلق عباده فأي موضع رأيت فيه رفقا فأقم واحمد اللّه تعالى » . وفي الخبر : « من بورك له في شيء فليلزمه ومن جعلت معيشته في شيء فلا ينتقل عنه حتى يتغير عليه » . وقال أبو نعيم : رأيت سفيان الثوري
شرح
( أما المقام ) أي حكم الإقامة ( فالأولى بالمريد أن يلازم مكانه إذا لم يكن قصده من السفر ) والحركة ( استفادة علم ) لم يكن عنده من يستفيد منه أو استفادة حال في السلوك ( مهما سلم له حاله في وطنه ) فإنه أدعى لجمع حواسه في سلوكه وأصون من التشتيت ، وهذا هو مشرب السادة النقشبندية ، فإنهم يأمرون بذلك المريد لسلامة حاله ، ( فإن لم يسلم ) له حاله في وطنه لعذر أو مانع ظاهر ، ( فليطلب ) بحركته ( من المواضع ما هو أقرب ) له ( إلى الخمول ) وعدم الظهور ، ( وأسلم للدين وأفرغ للقلب ) من خطور الخواطر الردية فيه ، ( وأيسر للعبادة ) والتحصيل ( له ، وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « البلاد بلاد اللّه والخلق عباد اللّه فأي موضع رأيت فيه وفقا فأقم وأحمد اللّه تعالى » ) ولفظ القوت وبعد المساجد الثلاثة فأي موضع صلح فيه قلبك وسلم لك دينك واستقام فيه حالك فهو أفضل المواضع لك ، وقد جاء في الخبر « البلاد بلاد اللّه تعالى والخلق عباده فأي موضع رأيت فيه رفقا فأقم واحمد اللّه تعالى » .
وقال العراقي : رواه أحمد والطبراني من حديث الزبير بسند ضعيف اه .
قلت : رواه أحمد بلفظ : « فحيثما أصبت خيرا فأقم » رواه من طريق أبي يحيى مولى آل الزبير عن الزبير . قال الهيثمي : في سنده من لم أعرفه ، وتبعه السخاوي وغيره .
ومعنى هذا الحديث في قوله تعالى :يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِوجرى إلى ما ذهب إليه المصنف هنا الزمخشري في الكشاف فقال : معنى الآية أنه إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه ولم يتمش أمر دينه كما يحب فليهاجر لبلد آخر يقدر أنه فيه أسلم قلبا وأصح دينا وأكثر عبادة وأحسن خشوعا . قال : وقد جربنا فلم نجد أعون على ذلك من مكة اه .
( وفي الخبر ) المرفوع : ( « من بورك له في شيء فليلزمه ) كذا في النسخ ، وفي بعضها من رزق له وهي نسخة العراقي ، وعبارة القوت « من خفر له » وهي بمعنى « بورك » .
قال العراقي : رواه ابن ماجة من حديث أنس بسند حسن اه .
قلت : وأخرجه من طريق الديلمي وغيره ، ورواه البيهقي كذلك لكن في سنده محمد بن عبد اللّه الأنصاري وهو ضعيف ، عن فروة بن يونس ، وقد ضعفه الأزدي عن هلال بن جبير وفيه جهالة .
وفي بعض روايات البيهقي : « من رزقه اللّه رزقا في شيء فليلزمه » .
( ومن جعلت معيشته في شيء فلا ينتقل عنه حتى يتغير عليه » ) .