الحمد للّه الذي جعل كلمة التوحيد لعباده حرزا وحصنا ، وجعل البيت العتيق مثابة للناس وأمنا ، وأكرمه بالنسبة إلى نفسه تشريفا وتحصينا ومنّا ، وجعل زيارته والطواف به حجابا بين العبد وبين العذاب ومجنا ، والصلاة على محمد نبي الرحمة وسيد الأمة وعلى آله وصحبه قادة الحق وسادة الخلق وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد ؛ فإن الحج من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر وختام الأمر وتمام الإسلام وكمال الدين . فيه أنزل اللّه عز وجل قوله :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
شرح
ولما كان المقام مقام تعظيم واللائق به التصريح لم يكتف بالتسمية ، وقال ( الحمد للّه ) لأن من اقتصر على التسمية لا يسمى حامدا ، ومن ثم وقع التدافع ظاهرا بين حديثي الابتداء واحتيج التوفيق بما ذكر في أوائل الكتب المتقدمة ( الذي ) بمحض مننه ( جعل كلمة التوحيد ) وهي لا إله إلا اللّه ( لعباده ) المضافين إليه ( حرزا ) حريزا ( وحصنا ) منيعا لمن احتمى به عن نكاية الأعداء الظاهرة والباطنة ، وفيه تلميح بالحديث الذي ورد من طريق أهل البيت : « لا إله إلا اللّه حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي » وقد تقدم ذلك . ( وجعل البيت العتيق ) وهو الكعبة سمي عتيقا لشرفه أو لكونه قديما أو لأن اللّه أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار ، وقد روي ذلك مرفوعا من حديث ابن الزبير أخرجه سعيد بن منصور ، أو لأنه لم يملك قط قاله مجاهد ، أو لأنه أعتق من الغرق زمن الطوفان قاله ابن السائب . ( مثابة ) مرجعا ( للناس ) يثوبون إليه ( وأمنا ) يأمنون به من المخاوف ، وفيه اقتباس من قوله تعالى :وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً[ البقرة : 125 ] . ( وأكرمه بالنسبة إلى نفسه ) حيث سمّاه بيت اللّه ( تشريفا ) لقدره ( وتخصيصا ) له بتلك النسبة ( ومنّا ) أي فضلا ، ( وجعل زيارته ) بالقصد إليه ( والطواف به ) حوله ( حجابا بين العبد الزائر له والطائف به وبين العذاب ) الأبدي ( ومجنا ) بكسر الميم أي ترسا من جن عليه إذا ستره ، وسمي الترس بذلك لأن صاحبه يتستر ، والجمع المجان .
( والصلاة ) الكاملة ( على ) سيدنا ( محمد نبي الرحمة ) المفاضة العامة على العالمين ( وسيد الأمة ) بالسيادة المطلقة على الكل من الأزل ، والأمة بالضم كل جماعة يجمعها أمر ما دين أو زمن أو مكان واحد ، وسواء كان الأمر الجامع تسخيرا أو اختيارا أو هما من جملة أسمائه الشريفة . ذكرهما ابن دحية في المستوفي . وسيأتي ذكرهما في الدعوات . ( وعلى آله وصحبه قادة الحق ) جمع قائد من قاد الجيش إذا سار به ، ( وسادة الخلق ) أي رؤسائهم بسبب قربهم منه صلّى اللّه عليه وسلم ومشاهدتهم له ، ( وسلم ) عليه وعليهم تسليما ( كثيرا .
أما بعد ، فإن الحج ) لبيت اللّه الحرام ( من بين أركان الإسلام ) الخمسة ( ومبانيه ) التي بني عليها كما في حديث ابن عمر في الصحيحين : « بني الإسلام على خمس » . ( عبادة العمر ) إذ وجوبه على المكلف مرة واحدة بخلاف غيره من باقي الأركان كما سيأتي قريبا . ( وختام الأمر ) إذ ختم به باقي الأركان ، ( وتمام الإسلام ) أي وفاؤه ، ( وكمال الدين ) فانتهى به إلى غاية ليس