شرح
وأما حديث : « نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة » فأخرجه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، والحاكم ، والبيهقي من حديث أبي هريرة وفيه : مهدي الحجري وهو مجهول .
ورواه العقيلي في الضعفاء من طريقه ، وقال : لا يتابع عليه . قال العقيلي : وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم بأسانيد جياد : « أنه لم يصم يوم عرفة بها » ولا يصح عنه النهي عن صيامه .
قال الحافظ : قلت : قد صححه ابن خزيمة ووثق مهديا المذكور ابن حبان اه .
وفي كتاب الشريعة : من صام هذا اليوم فإنه أخذ بحظ وافر مما أعطى اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى :لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ[ الفتح : 2 ] فلم يزل صلّى اللّه عليه وسلم عمره كله في الحكم حكم الصائم في يوم عرفة ، وخصه باسم عرفة لشرف المعرفة التي هي العلم لأن المعرفة تتعدى إلى مفعول واحد فلها الأحدية ، فهو اسم شريف سمى اللّه به العلم فكان المعرفة علم بالأحدية ، والعلم قد يكون تعلقه بالأحدية وغيرها بخلاف المعرفة ، فعلمنا شرف يوم عرفة من حيث اسمه لما يتضمنه من الأحدية التي هي أشرف صفة الواحد في جميع الموجودات ، فإن الأحدية تسري في كل موجود قديم وحادث ولا يشعر بسريانها كل أحد كالحياة السارية في كل شيء ، ولما كانت الأحدية للمعرفة ، وأصل الأحدية للّه تعالى رحجنا صومه على فطره إذ كان الصوم للّه حقيقة ، كما أن الأحدية له حقيقة فوقعت المناسبة بين الصوم ويوم عرفة فإنه يوم لا مثل له لفعله فيما بعده وفيما قبله من التكفير ، فظهر عرفة بصفة الحق تعالى في قوله :لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ[ الروم : 4 ] وهذا ليس لغيره من الأزمان غاية عاشوراء أن يكفر ما ثبت ، فمتعلقه الموجود ومتعلق عرفة بالموجود والمعدوم كما أن الحق تعالى يتعلق بالموجود حفظا وبالمعدوم إيجادا ، فكثرت مناسبة يوم عرفة لأسماء الحق فترجح صومه ، وإنما اختلف الناس في صومه في عرفة لا في غيرها لمظنة المشقة فيه على الحاج غالبا كالمسافر في رمضان ، فمن العلماء من اختار الفطر فيه للحاج وصيامه لغير الحاج ليجمع بين الأثرين واللّه أعلم .
ثم قال المصنف : ( ويوم عاشوراء ) هو العاشر من المحرم على المشهور بين العلماء سلفهم وخلفهم ، وفيه لغات المد والقصر مع الألف بعد العين ، وعاشور كهارون . وقال بعضهم : هو تاسع المحرم وفي ذلك خلاف بيناه في شرح القاموس .
وقد روى مسلم ، وابن حبان من حديث أبي قتادة مرفوعا : « صوم عاشوراء يكفر سنة » .
قال العراقي : ويستحب أن يصوم معه التاسع منه لما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع » .
قال الحافظ : رواه مسلم من وجهين من حديث ابن عباس ، ورواه البيهقي من رواية ابن أبي ليلى ، عن داود بن علي ، عن ابن عباس بلفظ : « لئن بقيت إلى قابل لآمرن بصيام يوم قبله » أو يوم بعده يوم عاشوراء .