اعلم أن استحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة وفواضل الأيام بعضها يوجد في كل سنة ، وبعضها يوجد في كل شهر ، وبعضها في كل أسبوع .
أما في السنة بعد أيام رمضان فيوم عرفة ويوم عاشوراء والعشر الأوّل من ذي
شرح
المنازل ، أو أيام واحد من الجواري الخنس ، أو أيام الحركة الكبرى فافهم الأمر فساوى التنكير الذي في سياق الحديث ، ولذلك قوله : « وجهه » لم يدر هل هو وجهه الذي هو ذاته ، أو وجهه المعهود في عرف العامة ، وكذلك قوله : « من النار » هل أراد به النار المعروفة أو الدار التي فيها النار ، لأنه قد يكون على عمل يستحق دخول تلك الدار ولا تصيبه النار ، وعلى الحقيقة فما منا إلا من يردها فإنها الطريق إلى الجنة ، وقد ألقيتك على مدرجة التحقيق في النظر في كلام اللّه وفي كلام المترجم عن اللّه من رسول أو ولي فافهمه .
( وفواضل الأيام بعضها يوجد في كل سنة ) أي يتكرر بتكرر كل سنة ، ( وبعضها ) يتكرر ( في كل شهر ) من السنة ، ( وبعضها ) يتكرر ( في كل أسبوع ) من الشهر فهو على ثلاثة أقسام .
( أما ) القسم الأول وهو ما يتكرر ( في السنة بعد أيام رمضان فيوم عرفة ) وهو اليوم التاسع من ذي الحجة . علم لا يدخلها الألف واللام وهي ممنوعة من الصرف للتأنيث والعلمية .
روي مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعا « صوم يوم عرفة كفارة سنتين وصوم يوم عاشوراء كفارة سنة » ورواه الطبراني من حديث زيد بن أرقم ، وسهل بن سعد ، وقتادة بن النعمان ، وابن عمر . ورواه أحمد من حديث عائشة .
قال الرافعي ، وهذا الاستحباب في حق غير الحجيج ، فينبغي لهم أن لا يصوموا لئلا يضعفوا عن الدماء وأعمال الحج ، ولم يصمه النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعرفة ، وأطلق كثير من الأئمة كونه مكروها لما روي : « أنه صلّى اللّه عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة » فإن كان الشخص بحيث لا يضعف بسبب الصوم ، فقد قال أبو سعيد المتولي : الأولى أن يصوم حيازة للفضيلتين ، ونسب هذا غيره إلى مذهب أبي حنيفة ، وقال : الأولى عندنا أن لا يصوم بحال اه .
قال الحافظ : قوله « ولم يصمه صلّى اللّه عليه وسلم بعرفة » متفق عليه من حديث أم الفضل ، ومن حديث ميمونة .
وأخرجه النسائي ، والترمذي ، وابن حبان من حديث ابن عمر بلفظ « حججت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولم يصم ، ومع أبي بكر كذلك ، ومع عمر كذلك ، ومع عثمان فلم يصم وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه » . وأخرجه النسائي من حديث ابن عباس وهو في الصحيح ، ومن حديثه عنه عن أم الفضل .