تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
الألباب وأصحاب القلوب فأي جدوى لتأخير أكلة وجمع أكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات الأخر طول النهار ؟ ولو كان لمثله جدوى فأي معنى لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش ؟ » . ولهذا قال أبو الدرداء : يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف لا يعيبون صوم الحمقى وسهرهم ؟ ولذرة من ذي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال عبادة من المغترين ، ولذلك قال بعض العلماء : كم من صائم مفطر وكم من مفطر صائم والمفطر الصائم هو الذي يحفظ جوارحه عن الآثام ويأكل ويشرب ، والصائم المفطر هو الذي يجوع ويعطش ويطلق جوارحه .
شرح
يشاركه بالكياسة التي هي عارضة خارجة عن الماهية المقومة لذات الإنسانية ، والخاصية الإلهية إنه الموجود الواجب الوجود بذاته التي يوجد عنها كل ما في الإمكان وجوده على أحسن وجوه النظام والكمال ، وهذه الخاصية لا يتصوّر فيها مشاركة البتة ، والمماثلة بها تحصل بكون العبد رحيما صبورا شكورا لا يوجب المماثلة ولا بكونه سميعا بصيرا عالما قادرا حيا فاعلا ، بل أقول : الخاصية الإلهية ليست إلا للّه تعالى ، ولا يعرفها إلا اللّه تعالى ، ولا يتصوّر أن يعرفها إلا هو أو من هو مثله ، وإذا لم يكن له مثل فلا يعرفها غيره ، فإذا الحق ما قاله الجنيد رحمه اللّه تعالى قال : لا يعرف اللّه إلا اللّه تعالى ، ولذلك لم يعط أحد خلقه إلا أسماء حجبه ، فقال :سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى[ الأعلى : 1 ] فو اللّه ما عرف اللّه غير اللّه في الدنيا والآخرة ، لذلك قيل لذي النون المصري ، وقد أشرف على الموت : ما ذا تشتهي ؟ فقال : أن أعرفه قبل أن أموت ولو بلحظة ، وهذا الآن يشوّش قلوب أكثر الضعفاء ويوهم عندهم القول بالنفي والتعطيل ، وذلك لعجزهم عن فهم هذا الكلام ، وقد تقدم لهذا بحث فيما سبق ، ولو أطلنا فيه لبعد المجال ، وفي القدر الذي ذكرناه كفاية للمتطلع . ( وإذا كان هذا سر الصوم عند أرباب الألباب وأصحاب القلوب فأي جدوى ) أي فائدة ( لتأخير أكلة ) في ضحوة النهار . ( وجمع أكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات الأخر طول النهار ، فلو كان لذلك جدوى فأي معنى لقوله صلّى اللّه عليه وسلم ) الذي تقدم تخريجه ( « كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش » ) ؟ وكذا قوله صلّى اللّه عليه وسلم « من لم يدع قول الزور والعمل به ليس للّه تعالى حاجة بأن يترك طعامه وشرابه » ، ( ولهذا قال أبو الدرداء ) عويمر بن عامر رضي اللّه عنه : ( يا حبذا نوم الأكياس ) أي العقلاء ( وفطرهم كيف يغبنون صوم الحمقى وسهرهم ولذرة من ذي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال عبادة من المغترين ) هكذا أورده صاحب القوت وصاحب العوارف ، إلا أن صاحب العوارف قال : كيف يغبنون قيام الحمقى وصيامهم ، وقال : من أمثال الجبال من أعمال المغترين والباقي سواء ، وفي نص القوت : كيف يبغون قيام الحمقى وصومهم ، وفي بعض نسخ الكتاب كيف يعيبون ، ( ولذلك قال بعض العلماء ) باللّه : ( كم من صائم مفطر وكم من مفطر صائم والمفطر الصائم هو الذي يحفظ جوارحه عن الآثام و ) هو مع ذلك ( يأكل ويشرب ، والصائم المفطر هو الذي يجوع