إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة والملائكة مقربون من اللّه عز وجل ، والذي يقتدي بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من اللّه عز وجل كقربهم ، فإن الشبيه من القريب قريب ، وليس القرب ثم بالمكان بل بالصفات ، وإذا كان هذا سر الصوم عند أرباب
شرح
التي بها شرفها وفي إدراكها نقص أما إدراكها فنقصانه أنه مقصور على الحواس وإدراك الحس قاصر لأنه لا يدرك الأشياء إلا بمماسة أو بقرب منها ، فالحس معزول عن الإدراك إن لم يكن مماسة ولا قرب ، وأما فعلها فهو أنه مقصور على مقتضى الشهوة والغضب لا باعث لها سواهما وليس لها عقل يدعو إلى أفعال مخالفة لمقتضى الشهوة والغضب .
( وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة ) ، وإنما كانت درجة الملائكة أعلى لأنها عبارة عن موجود لا يؤثر القرب والبعد في إدراكه ، بل لا يقتصر على ما يتصور فيه القرب والبعد . إذ القرب والبعد يتصور على الأجسام والأجسام أخس أقسام الموجودات ، ( والملائكة مقربون من اللّه تعالى ) ومقدسون عن الشهوة والغضب ، فليست أفعالهم بمقتضى الشهوات ، بل داعون إلى طلب القرب من اللّه تعالى . ( والذي يقتدي بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من اللّه كقربهم ) . أي من يضرب إلى شبه من صفاتهم ينل شيئا من قربهم بقدر ما نال من أوصافهم المقربة لهم إلى الحق تعالى . وبيان ذلك أنه إن غلب الشهوة والغضب حتى ملكهما وضعفا من تحريكه وتسكينه أخذ بذلك شبها من الملائكة ، وكذا إن عظم نفسه من الجمود والخيالات والمحسوسات وأنس بالإدراك عن أمور تجل من أن ينالها حس أو خيال أخذ شبها آخر من الملائكة ، فإن خاصية الحياة الإدراك والفعل ، وإليهما يتطرق النقصان والتوسط والكمال ، ومهما اقتدى بهم في هاتين الخاصتين كان أبعد من البهيمية وأقرب من الملكية .
( فإن الشبيه بالقريب قريب ) وإن شئت قلت الملك قريب من اللّه تعالى ، والقريب من القريب قريب ( وليس القرب ثمّ بالمكان بل بالصفات ) والمراتب والدرج .
فإن قلت : فظاهر هذا الكلام يشير إلى مشابهة بين العبد وبين اللّه تعالى ، لأنه إذا تخلق بأخلاقه كان شبها له ، ومعلوم شرعا وعقلا أن اللّه ليس كمثله شيء وأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء .
فأقول : مهما عرفت معنى المماثلة المنفية عن اللّه تعالى عرفت أنه لا مثل له ، ولا ينبغي أن يظن أن المشاركة بكل وصف توجب المماثلة . أترى أن الضدين يتماثلان وبينهما غاية البعد الذي لا يتصور أن يكون بعد فوقه وهما متشاركان في أوصاف كثيرة . إذ السواد يشارك البياض في كونه عرضا وفي كونه لونا مدركا بالبصر ، وأمورا أخر سواه . أفترى من قال : إن اللّه تعالى موجود لا في محل ، وأنه سميع بصير عالم مريد متكلم حي قادر فاعل ، وللإنسان أيضا كذلك فقد شبّه قائل هذا إذا وأثبت المثل . هيهات ليس الأمر كذلك ، ولو كان الأمر كذلك لكان الخلق كلهم مشبهة . إذ لا أقل من إثبات المشاركة في الوجود وهو موهم للمشابهة ، بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية ، والفرس وإن كان بالغا في الكياسة لا يكون مثلا للإنسان لأنه مخالف له بالنوع ، وإنما