تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
شرح
وما نرى في السماء قزعة فجاءت سحابة فمطرت وأقيمت الصلاة وسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الطين والماء ، حتى رأيت الطين في أرنبته وجبهته » . وفي رواية من صبح إحدى وعشرين . وفي لفظ لمسلم : « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان ، ثم اعتكف العشر الأوسط ، ثم أتيت فقيل لي انها في العشر الأواخر ، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف فاعتكف الناس معه » الحديث . وليلة القدر بإسكان الدال وفتحها سميت بذلك لعظم قدرها لما فيها من الفضائل أي ذات القدر العظيم ، أو لأن الأشياء تقدر فيها ، وقد جوز المفسرون في الآية إرادة الشرف والتقدير مع كونه لم يقرأ إلا بالإسكان ، وجزم الهروي وابن الأثير في تفسيرهما بالتقدير فقالا : وهي الليلة التي نقدر فيها الأرزاق وتقضى ، وصححه النووي في شرح المهذب فقال : سميت ليلة القدر أي ليلة الحكم والفصل هذا هو الصحيح المشهور ، وحكاه في شرح مسلم عن العلماء ، والمراد بالعشر الأواخر هي الليالي ، وكان يعتكف الأيام معها أيضا ، فلم يكن يقتصر على اعتكاف الليالي ، وإنما اقتصر على ذكرها على عادة العرب في التاريخ بها ، وهذا يدل على دخوله محل الاعتكاف قبل غروب الشمس ليلة الحادي والعشرين ، وإلا لم يكن اعتكف العشر بكمالها ، وهذا هو المعتبر عند الجمهور لمن أراد اعتكاف عشر أو شهر ، وبه قال الأئمة الأربعة وحكاه الترمذي عن الثوري ، وقال آخرون : بل يبدأ الاعتكاف من أول النهار وهو قول الأوزاعي ، وأبي ثور ، وإسحاق بن راهويه ، وابن المنذر ، والليث بن سعد في أحد قوليه . وحكاه الترمذي عن أحمد . وحكاه النووي في شرح مسلم عن الثوري ، وصححه ابن العربي وقال ابن عبد البر : لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال به إلا الأوزاعي والليث وقال به طائفة من التابعين اه . واحتجوا بحديث عائشة في الصحيحين « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه » وتأوله الجمهور على أنه دخل المعتكف وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف ، بل كان من قبل المغرب معتكفا لابثا في المسجد ، فلما صلى الصبح انفرد . ومن أحاديث الاعتكاف ما رواه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي من طريق عقيل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه اللّه عز وجل ثم اعتكف أزواجه من بعده » . وأخرجه النسائي من طريق عبد الرزاق هكذا بدون الجملة الأخيرة ، وفي قولها : « حتى قبضه اللّه عز وجل » استمرار هذا الحكم وعدم نسخه ، وأكدت ذلك بقولها : « ثم اعتكف أزواجه من بعده » فأشارت إلى استمرار حكمه حتى في حق النساء ، فكن أمهات المؤمنين يعتكفن بعد النبي صلّى اللّه عليه وسلم من غير نكير ، وإن كان هو في حياته قد أنكر عليهن الاعتكاف بعد إذنه لبعضهن كما هو في الحديث الصحيح . فذاك بمعنى آخر ، وهو كما قيل خوف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 386 | مرتضى الزبيدي