تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
النزول عن عرش الجلال إلى السماء الدنيا من درجات الرحمة إحدى عواطفه فارق الملوك مع التفرد بالجلال والكبرياء بترغيب الخلق في السؤال والدعاء فقال : « هل من داع فاستجيب له وهل من مستغفر فاغفر له ؟ » وباين السلاطين بفتح الباب ورفع
شرح
العبادة وهي الخضوع والانقياد ، ومعنى غمرهم أي عمهم ( بلطائفه ) جمع لطيفة فعيلة من اللطف بالضم وهو الرأفة والرفق ، ويعبر عنه بما يقع عنده صلاح العبد آخره . وقد أراد المصنف باللطائف هنا الألطاف بالمعنى المذكور وهو المناسب للسياق ، وإلّا فاللطائف بمعنى الأسرار الدقيقة التي تلوح للفهم غير متجه كما لا يخفى ، ( وعمر قلوبهم ) هو من باب قتل . يقال : عمر المنزل بأهله عمرا وعمره أهله سكنوه يتعدى ولا يتعدى أي ملأها ( بأنوار الدين ووظائفه ) الأنوار جمع نور بالضم وهو الضوء المنتشر الذي يعين الأبصار . والمراد هنا النور المعنوي ، والدين بالكسر وضع إلهي سائق لذوي العقول إلى قبول ما هو عند الرسول ، ودان الاسلام دينا تعبده وتدين به . والوظائف : جمع وظيفة وهي ما يقدر من عمل وغيره ، والمراد هنا بوظائف الدين ما وظفه اللّه تعالى على عباده من صلاة وصيام وزكاة وحج وغير ذلك ، ففيه براعة استهلال ، وبين غمر وعمر جناس ( الذي النزول عن عرش الجلال إلى السماء الدنيا من درجات الرحمة إحدى عواطفه ) . والعرش عرش اللّه ما لا يعلمه البشر إلا بالاسم وليس كما تذهب أوهام العامة سمي به تشبيها بسرير الملك في تمكنه عليه عند الحكم لنزول أحكام قضائه وقدره منه ، ولذا أضافه إلى الجلال وهو التناهي في عظم القدر والسماء معروف والدنيا أي القربى ، والعواطف جمع عاطفة وهي الرحمة . وقد أشار بهذا السياق إلى حديث النزول على ما سيأتي بيانه . ( فارق الملوك ) بفردانيته فلم يشبهوهلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[ الشورى : 11 ] وإليه أشار بقوله : ( مع التفرد ) أي الانفراد ( بالجلال ) أي بصفة العظمة ( والكبرياء ) . وقيل : الجلال احتجاب الحق عنا بعزته ، والكبرياء عبارة عن كمال الذات وهو كمال الوجود ، والمراد به دوامه أزلا وأبدا ، ثم ذكر السبب الفارق فقال : ( بترغيب الخلق ) أي تشويقهم ( في السؤال ) أي الطلب ( والدعاء فقال ) كما أخبر به رسوله صلّى اللّه عليه وسلم : ( « هل من داع فاستجيب له وهل من مستغفر فاغفر له » ) روى الإمام أحمد ، ومسلم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد معا قالا : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه تعالى يمهل حتى إذا كان ثلث الليل الأخير نزل إلى السماء فينادي هل من مستغفر هل من تائب هل من سائل هل من داع حتى ينفجر الفجر » . ورواه أيضا البخاري في مواضع من صحيحه بألفاظ متقاربة المعنى وفيها « ينزل » بدل « نزل » . والمراد بنزوله رحمته وانتقاله من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام المقتضية للرحمة والإنعام . وذكر المصنف في [ الجام العوام ] هذا الحديث فقال : سيق لنهاية الترغيب في قيام الليل ، وله تأثير عظيم في تحريك الدواعي للتهجد الذي هو أفضل العبادات . فهذا الخبر قد رواه الصحابة ومن بعدهم ، وما أهملوا روايته لاشتماله على فوائد عظيمة سوى اللفظ الموهم عند العارف معنى حقيقيا يفهمه منه ليس ذلك ظنيا في حقه ، وما أهون على البصير أن يغرس في