فأما القراءة ، فالناس فيها ثلاثة : رجل يتحرك لسانه وقلبه غافل ، ورجل يتحرك لسانه وقلبه يتبع اللسان فيفهم ويسمع منه كأنه يسمعه من غيره وهي درجات أصحاب اليمين ، ورجل يسبق قلبه إلى المعاني أوّلا ثم يخدم اللسان القلب فيترجمه . ففرق بين أن يكون اللسان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب ، والمقربون لسانهم ترجمان يتبع القلب
شرح
ان يعمل في نفيه ولا يصغي إليه بعقله فيستولي عليه ولا يطاوله فيخرجه عن حد الذكر واليقظة إلى مسامرة الجهل والغفلة ، وكل عمل محذور فالهمة فيه محذورة ونفيها فرض ، وكل عمل مباح فالهمة به مباحة ونفيها فضيلة ما خطر بقلبه من الخيرات المتأخرة فعلها ، فليعتقد النية بذلك ثم ليمض في صلاته ولا يشتغل بتدبيره كيف يكون ومتى يكون أو كيف يكون فيه وعنده إذا كان فيفوته الإقبال في الحال بتدبير شأنه في المآل ، وهذا هو استراق من العدو عليه وإلقاء من خدعه عليه ، فإن جاهد هذا المصلي نفسه عن مسامرة الفكرة وقاتل عدوه في قطع وسواسه في الصدر كان مجاهدا في سبيل اللّه مقاتلا لمن يليه من أعداء اللّه تعالى ، فله أجران أجر الصلاة للتقرب إلى الكريم ، وأجر المصابرة والمحاربة لعدوه الرجيم ، فهذا حكم الخواطر وبه يتضح كلام المصنف .
ثم قال : ( فأما القراءة فالناس فيها ثلاثة ) : الأول : ( رجل يتحرك لسانه ) بها ( وقلبه غافل ) عن معانيها ، ( و ) الثاني : ( رجل يتحرك لسانه ) بها ( وقلبه يتبع اللسان ) وفي نسخة : تبع للسانه ( فيسمع ويفهم منه كأنه يسمعه من غيره ) وفي بعض النسخ : فيفهم ويسمع منه كأنه يسمعه من غيره ، ( وتلك درجة أصحاب اليمين ) من الخواص الصالحين . ( و ) الثالث : ( رجل يسبق قلبه لسانه إلى ) فهم ( المعاني أولا ثم يخدم اللسان القلب فيترجمه ) عن تلك المعاني ، ( ففرق بين أن يكون اللسان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب ) وفي نسخة : ففرق بين من يكون لسانه ترجمان قلبه ، وبين من يكون لسانه معلم قلبه ( والمقربون ) المشار إليهم :أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ[ الواقعة : 11 - 12 ] ( ألسنتهم تترجم ) أي تعبر وتبين ( عن قلوبهم ولا تكون قلوبهم تبعا لألسنتهم ) والمراد بالمقربين هنا النبييون والصديقون والشهداء ، وهم الذين لهم الروح والريحان وجنة النعيم .
وتحقيق هذا المقام ما أشار إليه السهروردي في العوارف حيث قال : فيعلم العبد أن تلاوته قبل نطق اللسان ومعناها نطق القلب ، وكل مخاطب لشخص يتكلم بلسانه فلسانه يعبر عما في قلبه ، فلو أمكن المتكلم إفهام من يكلمه من غير لسان فعل ولكن حيث تعذر الإفهام إلا بالكلام جعل اللسان ترجمانا ، فإذا قال باللسان من غير مواطأة للقلب ، فما اللسان ترجمان ، ولا القارئ متكلم قاصد إسماع اللّه حاجته ولا مستمع إلى اللّه ، فافهم عنه سبحانه ما يخاطبه وما عنده غير حركة اللسان بقلب غائب عن قصد ما يقول ، فلا يكون متكلما مناجيا ولا مستمعا واعيا ، فأقل مراتب أهل الخصوص في الصلاة الجمع بين القلب واللسان في التلاوة ووراء ذلك أحوال للخواص يطول شرحها اه .