وأما منفعته ، فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه ، وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف ، ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف ، وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا ، فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين ، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر تناسب نوع الكلام ، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود . ولعمري
شرح
( وأما منفعته : فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليها ) وهو مقام الكشف والمشاهدة وعمارة السر بأنوار اليقين وحصول العلم المضارع للضروري ، ( ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف ) إذ أكثره عمل النفس وتخليق الفهم ، ( وهذا ) الكلام ( إذا سمعته من محدث ) وهو المشتغل بعلم الحديث بسائر فنونه العارف برجاله ومتونه ( أو حشوي ) هو بالتحريك من يتتبع ظواهر الأحاديث . قال اليوسي في حاشية الكبرى نسبة إلى الحشاء أي الجانب والطرف ، سموا بذلك لقول الحسن البصري وكان أوائلهم يجلسون إليه بين يديه ثم وجد كلامهم ساقطا . ردوا هؤلاء إلى حشاء الحلقة أي جانبها أو بسكون الشين من الحشو لقولهم بذلك في القرآن حيث زعموا أن في الكتاب والسنة ما لا معنى له اه .
( ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا ) ومن جهل شيئا عاداه ، ( فاسمع هذا ممن خبر الكلام ) وسبره ودخل فيه وخرج وألف فيه عدة تآليف ( ثم قلاه ) أي أبغضه وتركه ( بعد حقيقة الخبرة ) أي الاختبار الكلي ( وبعد التغلغل فيه ) أي الدخول في وسطه ( إلى ) أن وصل ( منتهى درجة المتكلمين ) وأقصى رتبتهم ، ( وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر تناسب نوع الكلام ) من العلوم الفلسفية ، ( وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة ) كما هي عليها ( من هذا الوجه مسدود ) كما ذكر ذلك في كتابه المنقذ من الضلال فقال في أوّله :
ولم أزل في عنفوان شبابي عندما راهقت البلوغ قبل العشرين إلى الآن ، وقد أناف سني على الخمسين أقتحم لجة هذا البحر العميق وأخوض غمرته خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور ، وأتوغل في كل مضلة ، وأهم على كل مشكلة ، وأقتحم كل ورطة ، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة ، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة لأميز بين محق ومبطل ومستن ومبتدع إلى أن قال :
وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور أي من أوّل أمري غريزة وفطرة من اللّه تعالى وضعها في جبلتي لا باختياري وحيلتي حتى انحلت عني رابطة التقليد ، ثم ابتدأت بعلم الكلام فحصلته وعقلته وطالعت كتب المحققين منهم وصنفت فيه ما أردت أن أصنف ، فصادفته علما وافيا بمقصوده غير واف بمقصودي اه وسيأتي بقية هذه العبارة فيما بعد .
( ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على )