تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
يكون محلا للحوادث داخلا تحت التغير ، بل يجب للصفات من نعوت القدم ما يجب للذات فلا تعتريه التغيرات ولا تحله الحادثات ، بل لم يزل في قدمه موصوفا بمحامد الصفات ولا يزال في أبده كذلك منزها عن تغير الحالات لأن ما كان محل الحوادث لا يخلو عنها وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث . وإنما ثبت نعت الحدوث للأجسام من
شرح
المتكلم إنما كان متكلما لقيام الكلام به لا لكونه فعلا له لأنا متكلمون ، والباري تعالى خالق لكلامنا وليس هو المتكلم بكلامنا ، ولو جاز أن يقال بأنه تعالى متكلم بكلام في الغير لجاز أن يقال أنه متحرك بحركة تخلق في الغير وهو محال ، ولولا اختصاص كلامه به لكان محدثا ، وإذا ثبت أن كلامه مختص به ليس مفارقا له ثبت أنه قديم ، ( وكذا ) نعتقد في ( جميع صفاته ) فإنها قائمة به ومختصة به لا انفكاك لها عنه ، وهي قديمة على معنى أنه ليس لوجودها ابتداء ، ثم أعلم أن القرآن يقال على ما يقال عليه الكلام ، فيقال على المعنى القائم بذاته جل وعز المعبر عنه باللسان العربي المبين ، ومعنى الإضافة في قولنا كلام اللّه إضافة الصفة إلى الموصوف كعلم اللّه والقرآن بهذا المعنى قديم قطعا ، ويقال على الكلام العربي المبين الدال على هذا المعنى القديم ، ومعنى الإضافة على هذا التقدير هو معنى إضافة الفعل إلى الفعل كخلق اللّه ورزقه ، وكلا الإطلاقين حقيقة على المختار خلافا لمن زعم أنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر ، ثم استدل المصنف على قدم الكلام بامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى فقال : ( إذ يستحيل أن يكون ) الباري تعالى ( محلا للحوادث داخلا تحت التغير ) وما كان محلا للحوادث يعتريه التغير ، والمراد بالحوادث التي امتنع الباري تعالى أن تحل هي به ماله وجود حقيقي مسبوق بالعدم لا المتجدد من الصفات الإضافية التي لا وجود لها ، ككونه تعالى قبل العالم وبعده ومعه أو السلبية ، ككونه مثلا غير رازق لزيد الميت ولا ما يتبع تعلق صفاته كالخالق والرازق ، فإن هذا كله ليس محل النزاع . وبالجملة ففرق بين الحادث والمتجدد فيجوز اتصافه بالمتجدد إذ الصفات المتجددة محض اعتبار وإضافة ، فلم يلزم من ذلك محال ، وبهذا يعلم محل النزاع ، ( بل يجب للصفات ) المقدسة ( من نعوت القدم ما يجب للذات فلا تعتريه التغيرات ولا تحله الحادثات ) ولا يتصف بقبولها ، ولا يقال أنها اغيار له لأن حقيقة الغيرين ما يجوز مفارقة أحدهما لصاحبه بزمان أو مكان ، ولا يجوز أن تفارق صفات الباري تعالى ذاته فإطلاق لفظ الغيرية بعيد ، ( بل لم يزل ) جل وعز ( في قدمه موصوفا بمحامد الصفات ) أي بالصفات المحمودة ( ولا يزال ) تعالى ( في أبده كذلك ) موصوفا بها ( منزها عن تغير الحالات ) . وذهبت المعتزلة والنجارية والزيدية والإمامية والخوارج إلى أن كلام اللّه حادث ، وامتنع طائفة من هؤلاء من إطلاق القول بكونه مخلوقا وسموه حادثا ، وأطلق المتأخرون من المعتزلة كونه مخلوقا ، ونحن نقول : لو كان كلام اللّه حادثا لم يخل من أمور ثلاثة : إما أن يقوم بذات الباري أو بجسم من الأجسام ، أو لا بمحل وباطل قيامه به ، فإن الحوادث يستحيل قيامها بذات الباري تعالى ، ( لأن ما كان محل الحوادث لا يخلو عنها ) أي عن الحوادث ( وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ) لأنه لا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 239 | مرتضى الزبيدي