إذا خلق ولده وعقل وخلق اللّه له علما متعلقا بما في قلب أبيه من الطلب صار مأمورا بذلك الطلب الذي قام بذات أبيه ودام وجوده إلى وقت معرفة ولده له ، فليعقل قيام الطلب الذي دل عليه قوله عز وجل :
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
[ طه : 12 ] بذات اللّه ومصير موسى عليه السّلام مخاطبا به بعد وجوده إذ خلقت له معرفة بذلك الطلب ، وسمع لذلك الكلام القديم .
وقد أشار المصنف إلى انتفاء المانع بقوله : ( وكما عقل قيام طلب العلم وإرادته بذات الوالد للولد قبل أن يخلق ولده حتى إذا ) فرض أنه ( خلق ولده وعقل ) الأشياء ( وخلق اللّه سبحانه وتعالى له علما بما قام في قلب أبيه من ) ذلك ( الطلب صار ) ذلك الولد ( مأمورا بذلك الطلب الذي قام بذات أبيه ودام وجوده إلى وقت معرفة ابنه ) .
فإن قيل : القائم بذات الأب العزم على الطلب وتخيله لا نفس الطلب لأن وجود الطلب بدون من يطلب منه شيء محال . قلنا : المحال طلب تنجيزي لا معنوي قائم بذات من هو عالم بوجود المطلوب منه وأهليته وكلامنا فيه ، والعلم بهما كاف في اندفاع الاستحالة . ( فليعقل قيام الطلب الذي دل عليه قوله عز وجل :
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
[ طه : 12 ] بذات اللّه ) تعالى أزلا ( ومصير موسى عليه السّلام مخاطبا به ) أي بذلك الطلب ( بعد وجوده ) أي بعد وجود السيد موسى . ( إذ خلقت له معرفة بذلك ) الطلب ، ( وسمع لذلك الكلام القديم ) وسمع يتعدى باللام تارة كما جرى عليه المصنف ، ومثله سمع اللّه لمن حمده وبلا لام أخرى ، ومنه :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ
[ المجادلة : 1 ] وهذا قول الأشعري ، وأنكر الماتريدي سماعه الكلام النفسي وعنده أنه سمع صوتا دالا على كلام اللّه تعالى . وقد تقدم الاختلاف فيه ، وفي التذكرة الشرقية لأبي نصر بن القشيري .
فإن قيل : فهل تسمون كلام اللّه تعالى في الأزل أمرا ونهيا ؟ قلنا : بلى هو أمر بشرط وجود المأمور به ونهي بشرط وجود المنهي .
فإن قيل : فكيف يؤمر من هو معدوم ، وكيف قال لموسى عليه السّلام ( اخلع نعليك ) وهو بعد في كتم العدم ؟ قلنا : إنما هو أمر بشرط الوجود أي إذا كنت وعقلت فافعل كذا ، فالمأمور يدخل في الوجود بعد أن لا يكون موجودا فالمتجدد عائد إليه لا إلى كلام الباري سبحانه ، وهذا كما أن اللّه سبحانه كان عالما بأن العالم سيكون ، والآن فهو عالم بأن العالم كائن ، ثم علمه لم يتغير ولم يتجدد بل تجدد المعلوم ، ثم من يعتقد أن كلام اللّه تعالى غير قديم ليس يجوز عليه البقاء ، فإذا أمر العبد بفعل فالفعل المأمور به غير موجود في حالة الأمر ، فإذا وجد فالأمر غير موجود لأنه عدم ، فكيف يستبعدون هنا القول بأمر والمأمور معدوم وهم يصرحون بأمر والمأمور به معدوم ؟ وقد أجمع المسلمون على أن موسى عليه السّلام مخاطب الآن بقوله عز وجل
( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ )
وهو الآن غير مكلف ، فقد بان ما استبعدوا . فلا طائل تحته ، وقد قال تعالى : ونادوا يا مالك ليقض علينا