إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 222
الأصل الرابع : العلم بكونه تعالى مريدا لأفعاله فلا موجود إلا وهو مستند إلى مشيئته وصادر عن إرادته ، فهو المبدىء المعيد والفعال لما يريد ، وكيف لا يكون مريدا الاطلاق وذلك ينافي الافتقار ، والجواب أن المراد بالافتقار الملازمة وعدم انفكاك أحد الموجودين عن الآخر ولم يكن الافتقار بهذا المعنى ينافي الوجوب ، وإليه الإشارة في قول السنوسي إلا أن التوقف هنا توقف معية فتأمل . وكون أن الحياة شرط في تلك الصفات المذكورة قد ذكره شيخ الإسلام في حاشيته على شرح جمع الجوامع حيث قال : وظاهر أنها أي الحياة شرط لغير العلم أيضا من الصفات المذكورة ، فإذا عرفت ذلك ظهر لك ان المصنف لو أخر هذه الصفة عقيب الصفات المذكورة لكان أوجه ، وأما ترتب تعلق القدرة على تعلق الإرادة على تعلق العلم ، فسيأتي ذلك في سياق عبارة ابن الهمام وتلميذه إن شاء اللّه تعالى . [ الأصل الرابع : العلم بكونه تعالى مريدا لأفعاله ] ( الأصل الرابع : العلم بكونه تعالى مريدا لأفعاله فلا موجود إلا وهو مستند إلى مشيئته وصادر عن إرادته ) . اعلم أن المريد لم يرد به السمع على هذه الصيغة وإنما ورد بصيغة الفعل ، ولكن اطلاق مريد مما ثبت بالإجماع . وبالجملة ؛ فالمريد أو الذي يريد أو أراد هو الذي يخصص فعله بحالة دون حالة لصفة قائمة به اقتضت ذلك ، وتلك الصفة هي الإرادة ، وهي كما قال السنوسي : صفة أزلية تؤثر في اختصاص أحد طرفي الممكن من وجود وعدم أو طول أو قصر ونحوها بالوقوع بدلا عن مقابله اه . وقال النسفي في شرح العمدة : حدها عند المتكلمين معنى يوجب تخصيص المعقولات بوجه دون وجه ، وقيل : صفة تنفي عمن قامت به الجبر والاضطرار ، وفائدتها على هذا الحد أن يكون الموصوف بها مختارا فيما فعله غير مضطر إليه ، ثم صانع العالم أوجده باختياره إذ من لا اختيار له في فعله فهو مضطر والمضطر عاجز فيكون حادثا ولا اختيار بدون الإرادة فكان مريدا اه . وفي المقدمات للسنوسي : هي صفة يتأتى بها تخصيص بدلا عن مقابله ، وقال في شرح الوسطى : صفة يتأتى بها ترجيح وقوع أحد طرفي الممكن ، وإن شئت قلت : هي القصد لوقوع أحد طرفي الممكن . وقال في شرح الكبرى : هي قصد للفاعل إلى فعل ذلك الجائز وإن شئت قلت : اختياره له اه . وقال أبو منصور التميمي : الإرادة والمشيئة عندنا بمعنى القصد والاختيار ، وزعمت الكرامية أن المشيئة الأزلية صفة واحدة يتناول ما شاء اللّه عز وجل بها من حدث يحدث وإرادة اللّه غيرها وإرادته حادثة في ذاته قبل حدوث مراداته على عدد مراداته . وقلنا : مشيئة إرادته وهي متعلقة بحدوث جميع الحوادث على حسب تعلق علمه بها في معنى أنه أراد حدوث كل ما علم منها على ما علم من حدوثه عليه اه . ( فهو المبدىء المعيد والفعال لما يريد ) قد تقدم تفسير هذه الألفاظ في أوّل هذا