ألا إنّما الدنيا الدنية جيفة * تحوم كلاب حولها وذئاب
فإن كنت كلبا ربّما نلت لقمة * وإن لم تكنه عقرتك كلاب
ومن أقبح أوصاف الدنيا أنّها باب جميع الخبائث وحجاب عن حضرة الوارث .
روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال : « من هوان الدنيا أنّه لا يعصى إلّا فيها ولا ينال ما عنده إلّا بتركها » .
وقال بشر بن الحارث : ينبغي لنا أن لا نحبّ هذه الدار لأنّها دار يعصى اللّه فيها ، وو اللّه لو لم يكن منّا إلّا أنّا أحببنا شيئا أبغضه اللّه ( عزّ وجلّ ) لكفانا .
وقال ابن المقنع :
دليلك أنّ الفقر خير من الغنى * وأنّ القليل المال خير من الثري
لقاؤك مخلوقا عصى اللّه بالغنى * ولم تر مخلوقا عصى اللّه بالفقر
قوله عصى اللّه بالغنى « 1 » يعني بسبب تحصيل الفقر وإلّا فالفقر ربّما كان سببا للفسق كالسرقة وقطع الطريق وتعطيل الفرائض كالغنى والكفر - والعياذ باللّه منهما - أو كالفقر والفسق ، يدلّ على ذلك قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في دعائه : « اللّهم إنّي أعوذ بك من غنى يطغيني وفقر ينسيني » .
وقال سليمان بن داود عليهما السّلام : أوتينا ممّا أوتي الناس وممّا لم يؤتوا ، وعلّمنا ممّا علم الناس وممّا لم يعلموا ، فلم نجد شيئا أفضل من تقوى اللّه في السرّ والعلانية ، وكلمة العدل في الغضب والرضا ، والقصد في الغنى والفقر ، وإذا ثبت للدنيا الاتصاف بجميع هذه الأوصاف السيئة التي تجنب العاقل من اتصف بواحد منها كان هجرها عليه أوجب ونبذها منها وراء الظهر أصوب .
ثالثها : أنّ اللّه ( تعالى ) يقول :
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
« 2 » ومراد اللّه ( تعالى ) خير من مرادنا ، بل ما لم يرده اللّه لا خير فيه أصلا ، وعلى العاقل أن يكون مراده تبعا لمراد مولاه .
رابعها : أنّ أعظم أسباب حبّ الدنيا خوف الفقر ، واللّه ( تعالى ) يقول :
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ
« 3 » وعلى العاقل أن يكذب الشيطان ويخزيه .
قال سفيان الثوري : ليس للشيطان سلاح مثل خوف الفقر ، فإذا قبل ذلك منه أحد
هامش
( 1 ) - ظ : بالفقر .
( 2 ) - الأنفال : 67 .
( 3 ) - البقرة : 268 .