وقال آخر : من نكد الدنيا لا تبقى على حالة ولا تخلو من استحالة تصلح جانبا بإفساد جانب وتسر صاحبا بمساءة صاحب ، فالكون فيها خطر والثقة بها غرر .
وقال آخر لّما نال أفضل ما سمت به نفسه ثمّ نبذه : هذا سرور لولا أنّه غرور ، ونعيم لولا أنّه عديم ، وملك لولا أنّه هلك ، وغناء لولا أنّه فناء ، وجسيم لولا أنّه ذميم ، ومحمود لولا أنّه مفقود ، وغنى لولا أنّه منى ، وارتفاع لولا أنّه اتضاع ، وعلى لولا أنّه بلا ، وحسن لولا أنّه حزن ، وهو يوم لو وثق له بعد .
وروي أنّ عيسى عليه السّلام رأى الدنيا في صورة عجوز شوهاء عليها من كلّ زينة ، فقال لها : كم نكحت ؟ قالت : لا أحصيهم . فقال : أطلّقوك أم ماتوا عنك ؟ فقالت : بل قتلتهم كلّهم . فقال عليه السّلام : بؤسا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين . وإلى هذا يشير الشيخ أبو منصور الثعالبي في قوله :
تنحّ عن الدنيا ولا تخطبنّها * ولا تخطبنّ قتّالة من تناكح
فليس يفي مرجوّها بمحوقها * ومكروهها أما تأمّلت راجح
لقد قال فيها الواصفون وأكثروا * وعندي لها وصف لعمري صالح
سلاف قصاراها ذعاف ومركب * شهي إذا استلذذته فهو جامح
وشخص جميل يونق الناس حسنه * ولكن له أسرار سوء قبائح
وقال أبو العتاهية :
هي الدار دار الأذى والقذى * ودار الفناء ودار العبر
فلو نلتها بحذافيرها * مللت ولم تقض منها الوطر
أيا من تؤمل طول الخلود * وطول الخلود عليه ضرر
إذا ما كبرت وبان الشباب * فلا خير في العيش بعد الكبر
وقال أحمد بن عبد ربّه :
ألا إنّما الدنيا غضارة أيكة * إذا اخضر منها جانب جفّ جانب
هي الدار ما الآمال إلّا فجائع * عليها ولا اللذات إلّا مصائب
فكم سخنت بالأمس عين قريرة * وقرت عيون دمعها الآن ساكب
فلا تكتحل عيناك قط بعبرة * على ذاهب منها فإنّك ذاهب
وقلت :
أخي استمع نصحي عدتك يد النوى * وأخطاك من كيد النوائب ناب