وقال بعض الحكماء : إذا قيل : نعم الرجل أنت ، وكان أحب إليك من أن يقال :
بئس الرجل أنت فأنت بئس الرجل .
ومن كلامهم : عداوة العاقل أقل ضررا من صداقة الأحمق .
ومما ورد في مدح العقل والذكاء وذم الحمق وما أشبهه ما قص اللّه ( سبحانه وتعالى ) في محكم كتابه ومنزل خطابه ، وقد ضرب اللّه ( سبحانه ) الأمثال وأوضحها وبيّن شرائع مصنوعاته وشرحها فقال ( عزّ من قائل ) :
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
« 1 »
روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : أول ما خلق اللّه العقل فقال له : أقبل ، فأقبل . ثم قال له : أدبر فأدبر ، فقال عزّ من قائل : وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقا أعز عليّ منك بك أذكر « 2 » وبك أعطي وبك أحاسب وبك أعاقب :
واعلم ، أن العقل ينقسم على قسمين : قسم لا يقبل الزيادة والنقصان وقسم يقبلهما ، أما الأول : فهو العقل الغريزي المشترك بين العقلاء ، وأما الثاني : فهو العقل التجربي وهو مكتسب ، وتحصيل زيادته بكثرة التجارب والوقايع ، وباعتبار هذه الحالة يقال : إن الشيخ أكمل عقلا وأتم دراية ، وإن صاحب التجارب أكثر فهما وأرجح معرفة ، ولهذا قيل : من بيضت الحوادث لمته واختلقت التجارب لباس جثته وأراه اللّه ( تعالى ) لكثرة ممارسته تصاريف أقداره وأقضيته كان جديرا برزانة العقل وزجاجة الهداية . وقد يخص اللّه ( تعالى ) بألطافه الخفية من يشاء من عباده فيفيض عليه من خزائن رحمته ومواهبه رزانة عقل ودراية معرفة يخرج عن حد الاكتساب فيصير بها راجحا على ذوي التجارب والآداب ، ويدل على ذلك قصة يحيى ابن زكريا عليه السّلام فيما أخبر اللّه به في محكم كتابه العزيز حيث يقول :
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
« 3 » فمن سبقت له من اللّه سابقة في قسم السعادة أدركته عناية أزلية وأشرقت على باطنه أنوار ملكوتية ، ولحظته هداية ربانية فاتصف بالذكاء والفطنة قلبه ، وأسفر عن وجه الإصابة وإن كان حديث السن قليل التجربة كما نقل في قصة سليمان وهو صبي حيث رد حكم أبيه داود عليهما السّلام في أمر الغنم والحرث ، وشرح ذلك فيما نقله المفسرون : أن رجلين دخلا على داود عليه السّلام أحدهما
هامش
( 1 ) - النحل : 12 .
( 2 ) - في نسخة : آخذ .
( 3 ) - مريم : 12 .