قال : من حرم مداراة الناس فقد حرم التوفيق ، فمقتضاه أن من رزق مداراة الناس لا يحرم التوفيق .
وقالوا : العاقل ، الذي يحسن المداراة مع أهل زمانه .
وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : للجنة مائة درجة ، تسعة وتسعون منها لأهل العقل وواحدة لسائر الناس .
وقال علي بن عبيدة : العقل ملك والخصال رعيته ، فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليها ، فسمعه أعرابي فقال : هذا كان يقطر غسله .
وقيل : أيدي العقول تمسك أوعية الأنفس ، وكل شيء إذا كثر رخص إلّا العقل فإنه كلما كثر غلا .
وقيل : لكل شيء غاية وحد إلّا العقل ، فإنه لا غاية له ولا حد ، ولكن الناس يتفاوتون فيه تفاوت الأذهان في الأبراج .
واختلف العلماء في ماهيته ، وقال قوم : هو نور وضعه اللّه طبعا وغريزة في القلب كالنور في العين ، فهو يزيد وينقص ويذهب ويعود ، كما يدرك بالبصر شواهد الأمور كذلك يدرك بنور العقل المحجوب والمستور ، وعميّ القلب كعميّ البصر .
وقال ( تعالى ) :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ .
« 1 »
وقيل : محل العقل الدماغ وهو قول أبي حنيفة ، وذهب جماعة إلى أنه في القلب كما روي عن الشافعي .
واستدلوا بقوله ( تعالى ) :
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها
« 2 » وقوله ( تعالى ) :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
« 3 » أي عقل .
وقيل : التجربة مرآة العقل ولذلك حمدت آراء المشايخ حتى قالوا : المشايخ أشجار الوقار لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم وهم ، وعليكم بآراء الشيوخ فإنهم إن عدموا ذكاء الطبع فقد أفادتهم الأيام حيلة وتجربة ، وقال الشاعر :
ألم تر أن العقل زين لأهله * ولكن تمام العقل طول التجارب
وقال آخر :
هامش
( 1 ) - الحج : 46 .
( 2 ) - الأعراف : 179 .
( 3 ) - ق : 37 .