يا هذا إقلب كلامك وضع يدك على من شئت ، وزهد العامة هو الزهد « 1 » الظاهري وزهد الخاصة أن لا ترى الدنيا شيئا يزهد فيه فيتساوى عندك الفقر والغنى ، ولا يتفاوت الحال عندك في الثوبين والطعامين كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام : لا يكتمل إيمان المرء حتى لا يبالي أي ثوبيه لبس وأي طعاميه أكل . وإليه الإشارة في التنزيل بقوله ( تعالى ) :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
« 2 »
وقال بعض الخلفاء لبعض الزهاد : إنّك لعظيم الزهد . فقال : أنت أزهد منّي .
قال : كيف ذلك ؟
قال : لأنّك زهدت في نعيم الآخرة وهو نعيم دائم عظيم ، وزهدت أنا في نعيم الدنيا الحقير المنقطع .
وقال بعضهم لعمر بن عبد العزيز عند موته : صنعت صنعا لم يصنعه غيرك ، تركت ولدك وليس لهم دينار ولا درهم وكان له ثلاثة عشر من الولد فقال : اقعدوني .
فأقعدوه فقال : أما قولك : لم أدع لهم دينارا ولا درهما فإنّي لم أمنعهم حقّا لهم ولم أعطهم حقّا لغيرهم ، وإنّما ولدي أحد رجلين : إما مطيع للّه فاللّه كافيه واللّه يتولّى الصالحين ، وإما عاص للّه فلا أبالي على ما وقع . وهذا المعنى أخذه من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام ، وقد مرّ في الفصل الرابع .
وقال ابن مسعود : ما من يوم إلّا وملك ينادي : يا بن آدم ، قليل يكفيك خير من كثير يطغيك .
وقال آخر : إنّما بطنك شبر في شبر ، فلم يدخلك في النار ؟
ومما خطر في الخاطر وتبين للناظر القاصر في ذم الدنيا الفانية : الدنيا غرارة غدارة مناحة مناعة مقيدة مفندة ، الدنيا عروس تغتال الأخدان وتختار الأختان ، صاحب الدنيا بين فرحة وترحة وحيرة وغيرة ، ساكن الدنيا راحل وأنفاسه رواحل وأيامه مراحل ، أمر الدنيا أمر تحت بشرها غمر ، إقبال الدنيا كإلمام ضيف أو سحابة صيف أو زيادة طيف ، صاحب الدنيا بين العسل والصاب والصحة والأوصاب ، الدنيا يدان : أحدهما تهب والأخرى تنهب ، كان مجرى القدر على جملة الكدر ، كان الزمان يغرف في الأفاضل غرفا ويفيض على الأراذل جرفا ، من ينازع القضاء في المضاء ومن له الأمان من الزمان
هامش
( 1 ) - في نسخة : التزهد .
( 2 ) - الحديد : 23 .