فحيث كان جميع بدنه بعيدا عن المرتبة العليّة ، منغمسا في اللّذّات الدّنيّة ، كان غسله أجمع من أهمّ المطالب الشّرعيّة ، ليتأهّل لمقابلة الجهة الشّريفة ، والدّخول في العبادة المنيفة ، ويبعد عن القوى الحيوانيّة ، واللّذّات الدّنياويّة .
ولمّا كان للقلب من ذلك الحظّ الأوفر ، والنّصيب الأكمل ، كان الاشتغال بتطهيره من الرّذائل والتّوجّهات المانعة من درك الفضائل أولى من تطهير تلك الأعضاء الظّاهرة عند اللّبيب العاقل .
وأمر في التّيمّم بمسح تلك الأعضاء بالتّراب عند تعذّر غسلها بالماء الطّهور ، وضعا لتلك الأعضاء الرّئيسة ، وهضما لها بتلقّيها بأثر التّربة الخسيسة .
وهكذا يخطر أنّ القلب إذا لم يمكن تطهيره من الأخلاق الرّذيلة ، وتحليته « 1 » بالأوصاف الجميلة ، فليقمه في مقام الهضم والإزراء ، ويسقه بسياط الذّلّ والإغضاء ، عسى أن يطّلع عليه مولاه الرّحيم وسيّده الكريم وهو منكسر متواضع ؛ فيهبه نفحة من نفحات نوره اللّامع ، فإنّه عند القلوب المنكسرة - كما ورد في الأثر « 2 » - فترقّ من هذه الإشارات ونحوها إلى ما يوجب لك الإقبال ، وتلافي سالف الإهمال .
ومن الأسرار الواردة في الأثر من نظائر ذلك : قول الصّادق عليه السّلام :
( إذا أردت الطّهارة والوضوء فتقدّم إلى الماء تقدّمك إلى رحمة اللّه ، فإنّ اللّه تعالى قد جعل الماء مفتاح قربته ومناجاته ، ودليلا إلى بساط خدمته ، وكما أنّ رحمته تطهّر ذنوب العباد ، كذلك النّجاسات الظّاهرة يطهّرها الماء لا غير « 3 » ، قال اللّه تعالى :
« وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ »
« 4 »
« وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً
هامش
( 1 ) « ب » : تجليته .
( 2 ) انظر : الوسائل 4 : 1120 - 1124 الباب 28 ، 29 من أبواب الدّعاء ؛ فإنّ فيه ما يدلّ على ذلك .
( 3 ) « ب » « م » : غيره .
( 4 ) الأعراف : 57 .