وليعلم من تطهير تلك الأعضاء عند الاشتغال بعبادة اللّه تعالى والإقبال عليه ، والالتفات عن الدّنيا بالقلب واحواس لتلقّي السّعادة في الأخرى : أنّ الدّنيا والآخرة ضرّتان ؛ كلّما قربت من إحداهما بعدت عن الأخرى ، فلذلك أمر « 1 » بالتّطهير من الدّنيا عند الاشتغال والإقبال على الأخرى .
فأمر في الوضوء بغسل الوجه ، لأنّ التّوجّه والإقبال بوجه القلب على اللّه تعالى به وفيه أكثر احواس الظّاهرة الّتي هي أعظم الأسباب الباعثة على مطالب الدّنيا ، فأمر بغسله ليتوجّه به ، وهو خال من تلك الأدناس ، ويترقّى بذلك إلى تطهير ما هو الرّكن الأعظم في القياس « 2 » .
ثمّ أمر بغسل اليدين ، لمباشرتهما أكثر أحوال الدّنيا الدّنيّة والمشتهيات الطبيعيّة .
ثمّ بمسح الرّأس ، لأنّ فيه القوّة المفكّرة « 3 » الّتي يحصل بواسطتها القصد إلى تناول المرادات الطّبيعيّة ، وتنبعث الحواس حينئذ إلى الإقبال على الأمور الدّنيويّة ، المانع من الإقبال على الآخرة السّنيّة .
ثمّ بمسح الرّجلين ، لأنّ بهما يتوصّل إلى مطالبه ، ويتوصّل « 4 » إلى تحصيل مآربه - على نحو ما ذكر في باقي الأعضاء - وحينئذ فيسوغ له الدّخول في العبادة ، والإقبال عليها فائزا بالسّعادة .
وأمر في الغسل بغسل جميع البشرة ، لأنّ أدنى حالات الإنسان وأشدّها تعلّقا وتملّكا بالملكات الشّهويّة حالة الجماع ، وموجبات الغسل ، ولجميع بدنه مدخل في تلك الحالة ، ولهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : ( إنّ تحت كلّ شعرة جنابة ) « 5 »
هامش
( 1 ) « د » : أمرت .
( 2 ) « ب » : النّاس .
( 3 ) « م » : المتفكّرة .
( 4 ) « ب » : يتوسّل .
( 5 ) سنن أبي داود 1 : 65 حديث 248 .