تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التنبيهات العَليّة على وظائف الصلاة القلبية — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
وتجاذبك ، ثمّ تغلبك وتنقضي جميع صلاتك في شغل المجاذبة . ومثاله : رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره ، وكانت أصوات العصافير تشوّش عليه ، فلم يزل يطيّرها بخشبة هي في يده ويعود إلى فكره ، فتعود العصافير ، فيعود إلى التّنفير بالخشبة ، فقيل له : إن أردت الخلاص ، فاقلع الشّجرة « 1 » . فكذلك شجرة الشّهوة ، إذا استعلت « 2 » وتفرّقت أغصانها انجذبت إليها الأفكار انجذاب العصافير إلى الأشجار ، وانجذاب الذّباب إلى الأقذار ، والشّغل يطول في دفعها ، فإنّ الذّباب كلّما ذبّ آب ، ولأجله سمّي ذبابا ، فكذا الخواطر ، فهذه الشّهوات كثيرة ، وقلّما يخلو العبد عنها ، ويجمعها أصل واحد ، وهو « حبّ الدّنيا » وذلك « رأس كلّ خطيئة » « 3 » ، وأساس كلّ نقصان ، ومنبع كلّ فساد . ومن انطوى باطنه على حبّ الدّنيا حتّى مال إلى شئ منها لا ليتزوّد منها ويستعين بها على الآخرة ، فلا يطمعنّ في أن تصفو له لذّة المناجاة في الصّلاة ؛ فإنّ من فرح بالدّنيا ، فلا يفرح باللّه وبمناجاته ، وهمّة الرّجل مع قرّة عينه ، فإن كانت قرّة عينه في الدّنيا انصرف لا محالة إليها همّه . ولكن مع هذا فلا ينبغي أن يترك المجاهدة ، وردّ القلب إلى الصّلاة ، وتقليل الأسباب الشّاغلة . وأمّا من كانت الدّنيا معه وليس هو معها ، وإنّما يصرفها حيث أمره اللّه تعالى ، ويستعين بها على طاعة اللّه ، ويتزوّد منها إلى الآخرة وهمّته مجتمعة فيما يبقى ، ويجعلها من أسباب الكمال ومقدّماته ، فلا بأس عليه ، فقد قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : ( نعم العون على تقوى اللّه الغنى ) « 4 » .
هامش
( 1 ) إحياء علوم الّدين 1 : 295 ، المحجّة البيضاء 1 : 376 . ( 2 ) « م » « ح » : استقلّت ، « د » : اشتعلت . ( 3 ) الخصال 1 : 25 حديث 87 . ( 4 ) الفقيه 3 : 156 حديث 3570 ، الكافي 5 : 71 حديث 1 ، الوسائل 12 : 16 الباب 6 ، وص 49 الباب 28 من أبواب مقدّمات التّجارة ، الحديث 3 .