تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التنبيهات العَليّة على وظائف الصلاة القلبية — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته ، وأنّ تعلّقه به يضاهي تعلّق الأعراض بالأجسام ، والأوصاف بالموصوفات ، أو تعلّق المستعمل للآلة بالآلة ، أو تعلّق المتمكّن بالمكان . وشرح ذلك يخرج عن غرض الرّسالة . وحيث يطلق القلب في الكتاب والسّنّة ؛ فالمراد منه هذا المعنى الّذي يفقه ويعلم ، وقد يكنّى عنه ب « القلب في الصّدر » كما قال اللّه تعالى :
« فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ »
« 1 » وذلك لما عرفت من العلاقة الواقعة بينه وبين جسم القلب ، فإنّها وإن كانت متعلّقة بسائر البدن ، ومستعملة له ، ولكنّها تتعلّق به بواسطة القلب ، فتعلّقها الأوّل بالقلب وكأنّه محلّه ، ومملكته ، وعالمه ، ومطيّته . ولذلك شبّه بعض العلماء القلب بالعرش ، والصّدر بالكرسيّ ، وأراد به أنّه مملكته ، والمجري الأوّل لتدبيره وتصرّفه ، فهما بالنّسبة إليه كالعرش والكرسيّ بالنّسبة إلى اللّه تعالى ، ولا يستقيم هذا التّشبيه إلّا من بعض الوجوه ؛ كما لا يخفى . وهذا المعنى من القلب في الجسد بمنزلة الملك ، وله فيه جنود وأعوان ، وأضداد وأوصاف ، وله قبول للإشراق والظّلمة ، كالمرآة الصّافية الّتي تقبل انطباع الصّور والأشكال المقابلة لها ، وتقبل الظّلمة والفساد « 2 » ، والبعد عن الأعداد لذلك ، بسبب العوارض الخارجيّة المنافية لجوهرها ، وربّما وصل إشراقه واستنارته إلى حدّ يحصل فيه جليّة الحقّ ، وتنكشف فيه حقيقة الأمر المطلوب . وإلى مثل هذا القلب الإشارة « 3 » بقوله صلّى اللّه عليه وآله : ( إذا أراد اللّه بعبد خيرا جعل له واعظا من قلبه ) « 4 » .
هامش
( 1 ) الحج : 46 . ( 2 ) « ب » : الإفساد . ( 3 ) « د » « م » : أشار . ( 4 ) نهج الفصاحة : 29 حديث 154 ، كنز العمّال 11 : 95 حديث 30762 .