وكان شيخنا المذكور - روّح اللّه روحه - مع ما عرفت يتعاطى جميع مهمّاته بقلبه وبدنه حتّى لو لم تكن إلّا مهمّات الواردين عليه ، ومصالح الضّيوف المتردّدين إليه ، مضافا إلى القيام بأحوال الأهل والعيال ونظام المعيشة وإتقان أسبابها من غير وكيل ولا مساعد يقوم بها ، حتّى أنّه ما كان يعجبه تدبير أحد في أموره ولا يقع على خاطره ترتيب مرتّب لقصوره عمّا في ضميره ، ومع ذلك كلّه فقد كان غالب الزّمان في الخوف الموجب لإتلاف النّفس ، والتّستّر والاختفاء الّذي لا يسع الإنسان معه أن يفكّر في مسألة من الضّروريّات البديهيّة ، ولا يحسن أن يعلّق شيئا يقف عليه من بعده من ذوي الفطن النبيهة - وسيأتي إن شاء اللّه تعالى في عدّ تصانيفه ما ظهر عنه في زمن الخوف من غزارة العلوم المشبّهة بنفائس الجوهر المنظوم .
وقد برز عنه مع ذلك من التّصنيفات والأبحاث والتّحقيقات والكتابات والتّعليقات ما هو ناش عن عين فكر صاف ، وعارف من بحار علم واف ، بحيث إذا فكّر من تفكّر في الجمع بين هذا وبين ما ذكرنا تحيّر ، وهذه فضيلة يشهد له بها كلّ من كان له به أدنى مخالطة ، ولا يمكن لأحد فيها مغالطة .
ومن الشّاهد الواضح البيّن أنّ الواحد منّا مع قلّة موانعه وتعلّقاته ، وتوفّر دواعيه وأوقاته ؛ لو بذل الجهد في استقصاء كتابة مصنّفاته وما برز من تحقيقاته فما - رأينا أحدا من أصحابه - استقصاها ولا بلغ منتهاها ، وكفاه بذلك نبلا وفخرا . . .
وأمّا شكله فقد كان ربعة من الرّجال في القامة ، معتدل الهامة ، وفي آخر أمره كان إلى السّمن أميل بوجه صبيح مدوّر ، وشعر سبط إلى الشّقرة ما هو مع سواد العينين والحاجبين ، وكان له خال على أحد خدّيه ، وآخر على أحد جبينيه ، وبياض اللّون ولطافة الجسم ، عبل الذّراعين والسّاقين ، كأنّ أصابع يديه أقلام فضّة ، إذا نظر النّاظر في وجهه وسمع عذوبة لفظه لم تسمح نفسه بمفارقته ، وتسلّى عن كلّ شئ بمخاطبته ، تمتلئ العيون من مهابته ، وتبتهج القلوب لجلالته ، وأيم اللّه إنّه لفوق ما وصفت ، وقد اشتمل من حميد الخصال على أكثر ممّا ذكرت .
التنبيهات العَليّة على وظائف الصلاة القلبية — صفحة 26
مساهمون: الشهيد الثاني
ص٢٦