تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التنبيهات العَليّة على وظائف الصلاة القلبية — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
تبيانا أدأب نفسه في تصحيحه وإبرازه للنّاس حتّى فشا ، وجعل ورده في ذلك غالبا ما بين المغرب والعشاء ، وما ذاك إلّا لأنّه ضبط أوقاته بتمامها ، وكانت هذه الفترة بغير ورد قرين الأوراد بختامها . وأمّا المعقول فقد أتى فيه من الإبداع ما أراد ، وسبق فيه الأنداد والأفراد ، إن تكلّم في علم الأوائل بهج الأذهان والألباب ، وولج منها كلّ باب ، وأمّا علوم القرآن العزيز وتفاسيره من البسيط والوجيز قد حصل على فوائدها وحازها ، وعرف حقائقها ومجازها ، وعلم إطالتها وإيجازها ، وأمّا الهيئة والهندسة والحساب والميقات فقد كانت له فيها يد لا تقصر عن الآيات ، وأمّا السّلوك والتّصرّف فقد كان له فيه تصرّف وأيّ تصرّف . وبالجملة فهو عالم الأوان ومصنّفه ، ومقرط البيان ومشنّفه ؛ بتآليف كأنّها الخرائد ، وتصانيف أبهى من القلائد وضعها في فنون مختلفة وأنواع ، وأقطعها ما شاء من الإتقان والإبداع ، وسلك فيها مسلك المدقّقين ، وهجر طريق المتشدّقين ، إن نطق رأيت البيان منسربا من لسانه ، وإن أحسن رأيت الإحسان منسبا إلى إحسانه ، جدّد شعائر السّنن الحنيفيّة بعد إخلاقها ، وأصلح للامّة ما فسد من أخلاقها ، وبه اقتدى من رام تحصيل الفضائل ، واهتدى بهداه من تحلّى بالوصف الكامل ، عمّر مساجد اللّه وأشاد بنيانها ، ورتّب وظائف الطّاعات فيها وعظّم شأنها ، كم أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وكم أرشد من صلّى وصام وحجّ واعتمر . كان لأبواب الخيرات مفتاحا ، وفي ظلمة عمى الامّة مصباحا ، منه تعلّم الكرم كلّ كريم ، وبه استشفى من الجهالة كلّ سقيم ، واقتفى أثره في الاستقامة كلّ مستقيم ، لم تأخذه في اللّه لومة لائم ، ولم يثن عزمه عن المجاهدة في تحصيل العلوم الصّوارم ، أخلص للّه أعماله فأثّرت في القلوب أقواله . أعزّ ما صرف همّته فيه خدمة العلم وأهله ، فحاز الحظّ الوافر لما توجّه إليه بكلّه . ولقد كان مع علوّ رتبته وسموّ منزلته على غاية من التّواضع ولين الجانب ،
التنبيهات العَليّة على وظائف الصلاة القلبية — صفحة 24 | الشهيد الثاني / بصرى / صفاء الدين البصري