( له ) المأمون : ويحك ، خلها ، فإن الحق أنطقها والباطل أخرسه . وأمر برد ضياعتها « 77 » إليها « 78 » . قال بعض العلماء : ولمشاهدة « 79 » المأمون الحكم بينهما وتقديم القاضي للنظر في ذلك وجوه لطيفة ، تقتضيها السياسة ، ومعان شريفة يوجهها الشرع . وذلك أنه ربما توجه الحكم لولده ، فلا يجوز « 80 » أن يحكم عليه .
ومنها أن الخصم امرأة ، والإمارة « 81 » تجل عن محاورتها ، وأيضا فإن جلالة قدر العباس أجل من أن يلزمه الحق غير أبيه ، ومنها إرهاب المدعى عليه ، إذا علت منزلته « 82 » فيذعن للحق ، ولا يمكنه التعصب للباطل « 83 » .
وأيضا فربما أنف ذو الهمة العالية من وصول المتظلم « 84 » إلى حقه عنوة ، فيدع كثيرا من حقه محافظة على المنزلة فيبادر إلى الإنصاف قبل الحكم ، ليكون متفضلا ، وربما وقع الشك للحاضرين في أن الحق له أو عليه . كالذي يحكى عن موسى الهادي أنه جلس يوما لينظر « 85 » في المظالم ، وعمارة بن حمزة قائم على رأسه ، فقام رجل متظلم يدعي أن عمارة غصبه ضيعته « 86 » ، فأمره الهادي بالجلوس معه للحكم . فقال عمارة : يا أمير المؤمنين إن كانت له ، فلا أعارضه فيها ، وإن كانت لي فقد تركتها له . ولا أبيع حظي من مجلس أمير المؤمنين ، فهذا من حسن « 87 » السياسة وعلو الهمة والمحافظة على المكانة . وأما الشك فواقع عند جميع الحاضرين ، في أن الحق له أو عليه « 88 » .
هامش
( 77 ) د : وأحسن إليها وكتب إلى عامل بذلك ( فراغ ) أن الذي حكم عليها بين يدي المأمون هو القاضي يحيي بن أكثم ، أمره بذلك .
( 78 ) د : إليها - محذوفة ، الأحكام السلطانية : عليها
( 79 ) الذخائر : وفي مشاهدة
( 80 ) الذخائر والأعلاق : فلا يجوز أن يحكم له ، ولا يجوز أن يحكم عليه .
( 81 ) الذخائر : والامرأة يجل
( 82 ) د : شوكته
( 83 ) د : بالباطل
( 84 ) الذخائر : المتكلم .
( 85 ) ق ، ج : الذخائر : للنظر في المظالم ، د : للنظر للمظالم
( 86 ) د : غصب ضيعته
( 87 ) د : حسن - محذوفة - في الذخائر : أحس .
( 88 ) وردت قصة المأمون مع الأعرابية في الأحكام السلطانية ص 84 - 85 وفي العقد الفريد ج 1 ص 16 مع اختلاف وزيادة . ومن المرجع أن ابن رضوان نقل القصة من الذخائر والأعلاق ص 83 حيث وردت مطابقة لما أورده هنا ما عدا الأبيات الشعرية الأخيرة المنسوبة للمأمون فلم ترد في الذخائر .