يفكر فيما يدبره ، ويظهر غير ما يضمر ، ولا يشرك أحدا فيما يدبره برأي ولا غيره ، وإن تفرجه واشتغاله بغلمان صغار ، يتخذهم ويؤدبهم ويخرجهم فيدعون ، ويدفع إليهم شيئا قد عمله « 94 » لهم من السيور ، يتضاربون به بين يديه . ففي هذا أكثر شغله ، إذا فرغ من تدبيره « 95 » .
قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : لا تؤخر عمل يومك لغدك « 96 » ، ومن الحزم « 97 » أن لا تدخل في أمر حتى تعرف منتهاه وتعرف أحواله ، فإن توقفك « 98 » في العمل قبل أن تفعله ، هو الحذر الممدوح عند أهل الحكمة ، وإذا دخلت في الفعل ، فاضطربت ورجعت عنه بعد ابتدائك فيه ، فذلك هو الحذر المذموم عند أهل العقل والمروءة .
ومن ذلك ما روي « 99 » عن الرشيد أنه بعث بعد القبض على البرامكة إلى يحيى ابن خالد ، وهو في اعتقاله ، يشاوره « 100 » في هدم الإيوان ، فبعث إليه لا تفعل .
فقال الرشيد ، لمن حضره : في « 101 » نفسه المجوسية والحنو عليها ، والمنع من إزالة آثارها . فشرع في هدمه ، فإذا به تلزمه على هذا أموال عظيمة ، لا تضبط كثرة فامسك « 102 » عن ذلك وكتب إلى يحيى يعلمه بذلك فأجاب : أن ينفق في هدمه ما بلغ من الأموال ، ويحرص « 103 » على فعله ، فعجب الرشيد من تنافي كلامه في أوله وآخره ، فبعث إليه يسأله عن ذلك . فقال : نعم : اما ما أشرت إليه في الأول ، فإني أردت به بقاء الذكر لأمة « 104 » الإسلام ، وبعد الصيت « 105 » ، وان يكون
هامش
( 94 ) ا ، ب ، ج ، د : علمه
( 95 ) ورد النص في مروج ج 5 ص 112
( 96 ) ورد في التمثيل والمحاضرة ص 29 كما ورد في بدائع السلك ج 1 ص 501 وفي الكواكب الدرية ج 1 ص 33 .
( 97 ) ا ، ب ، ق : العزم
( 98 ) ا ، ب ، د ، ق : توقعك .
( 99 ) د : يحكى
( 100 ) د : فشاوره
( 101 ) د : أتمنع من إزالة رسوم المجوسية ومحو آثارها
( 102 ) ا ، ب ، ج ، د : فامسك عن ذلك أموال كثيرة لزمت فيه لا تحصى كثرة ، وقد أوردنا أعلاه نص مروج الذهب
( 103 ) ج ، ك : ويحرض
( 104 ) د : في أمه
( 105 ) د : الصيت لأمة الإسلام