قال ابن الجوزي : إن كان قصده إخفاء الطاعة والإخلاص للّه عز وجل ولكنه لما أطلع عليه الخلق علم أن اللّه أطلعهم وأظهر الجميل من أحواله فسر بحسن صنيع اللّه عز وجل ونظره له ولطفه به حيث كان يستر الطاعة والمعصية فأظهر اللّه عليه الطاعة وستر المعصية فيكون فرحه بذلك لا بحمد الناس ، وقيام المنزلة في قلوبهم أو يستدل بإظهار اللّه الجميل وستر القبيح عليه في الدنيا أنه كذلك يفعل به في الآخرة قد جاء معنى ذلك في الحديث . فأما إن كان فرحه باطلاع الناس عليه لقيام منزلته عندهم حتى يمدحوه ويعظموه ويقضوا حوائجه فهذا مكروه مذموم .
فإن قيل فما وجه حديث أبي هريرة قال : قال رجل يا رسول اللّه الرجل يعمل العمل فيسره فإذا أطلع عليه أعجبه ؟ فقال " له أجران : أجر السر وأجر العلانية " " 1 " فالجواب أنه حديث ضعيف رواه الترمذي وقد فسره بعض العلماء بأن معناه بأن يعجبه ثناء الناس عليه بالخير لقوله عليه السّلام : " أنتم شهداء اللّه في الأرض " " 2 " .
وروى مسلم عن أبي ذر قال : قيل يا رسول اللّه أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير فيحمده الناس عليه ؟ قال : " تلك عاجل بشرى المؤمن " " 3 " فأما إذا أعجبه ليعلم الناس منه الخير ويكومونه عليه فهذا رياء . وورود الرياء بعد الفراغ من العبادة لا يحبطها لأنه قد تم على نعت الإخلاص فلا ينعطف ما طرأ عليه بعده لا سيما إذا لم يتكلف هو إظهاره والتحدث به ، فأما إن تحدث به بعد فراغه وأظهره فهذا مخوف ، والغالب عليه أنه كان في قلبه وقت مباشرة العمل نوع رياء فإن سلم من الرياء نقص أجره ، فإن بين عمل السر والعلانية سبعين درجة . ووجود الرياء قبل الفراغ من العبادة إن كان مجرد سرور لم يؤثر في العمل ، وإن كان باعثا على العمل مثل أن يطيل الصلاة ليرى مكانه فهذا يحبط الأجر ، انتهى كلامه .
وقال ابن عقيل : الإعجاب ليس بالفرح والفرح لا يقدح في الطاعات لأنها مسرة النفس بطاعة الرب عز وجل ، ومثل ذلك مما سر العقلاء وأبهج الفضلاء ، وكذلك روى في الحديث أن رجلا قال يا رسول اللّه إني كنت أصلي فدخل علي صديق لي فسرني ذلك . فقال : " لك
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 2384 ) بسند ضعيف قلت ومن سنده حبيب بن أبي ثابت وهو ثقة كثير الإرسال والتدليس ولم يصرح بالتحديث . ورواه أيضا ابن ماجة ( 4226 ) والطيالسي ( 2430 ) وابن حبان ( 2 / 99 ) وغيرهم . قلت : وفي سندهم حبيب هذا .
( 2 ) متفق عليه من حديث أنس . أخرجه البخاري ( 1367 ) ومسلم ( 949 ) .
( 3 ) رواه مسلم [ البر والصلة ( 2642 ) ] . قال النووي : قال العلماء : معناه هذه البشرى بالمعجلة له بالخير ، وهي دليل على رضاء اللّه تعالى عنه ومحبته له فيحببه إلى الخلق كما سبق في الحديث ، ثم يوضع له القبول في الأرض . هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم ، وإلا فالتعرض مذموم .