الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
[ آل عمران : 179 ] ، فاستخرج من ظهره من كان من أصحاب اليمين ، فأخذوا ذات اليمين ، واستخرج من ظهره من كان من أصحاب الشمال ، فأخذوا ذات الشمال .
وما زاغ أحد عن المراد وما مال .
ومن قال : لم ؟ فقد أخطأ في السؤال .
فأول من عمل حوالي هذه الشجرة إلى أصل حبة " كن " فاعتصر صفوة عنصرها ، ومخضها حتى بدت زبدتها ، ثم صفاها بمصفاة الصفوة ، حتى زال [ قذرها ] " 1 " ، ثم ألقى عليها من نور هدايته حتى ظهر جوهرها ، ثم غمسها في بحر الرحمة ، حتى عمّت بركتها ، ثم خلق منها نور نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم زيّن بنور الملأ الأعلى حتى أضاء وعلا ، ثم جعل ذلك النور : أصلا لكل نور ، فهو أولهم في المسطور ، وآخرهم في الظهور ، وقائدهم في النشور ، ومبشرهم بالسرور ، ومتوجهم بالحبور ، فهو مستودع في ديوان الإنس ، مستقر في رياض الأنس .
وحضرة [ القدس ] " 2 " ، ستر معنى روحانيته يستر جسمانيته ، وغطّى عالم شهوده بعالم وجوده ، فهو مستخرج في الكون ، مستنبط لأجله الكون ، وذلك أن اللّه - تعالى - كون الأكوان اقتدارا عليها ، لا افتقارا إليها ، وكمال حكمته في التكوين ، لإظهار شرف الماء والطين ، فإنه أوجد ما أوجد ، ولم يقل في شيء من ذلك :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ البقرة : 30 ] ، وكان وجود الآدمي ، فكانت حكمته في وجود الآدمي ؛ لإظهار شرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنه حكمة الأجساد لاستخراج كاف الكنزية كنت كنزا مخفيا لا أعرف " فكان المقصود في الوجود ، معرفة موجدهم سبحانه ، وكان المخصوص بأتم المعارف : قلب سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأن معارف الكل كانت تصديقا وإيمانا ، ومعرفته صلّى اللّه عليه وسلّم مشاهدة وعيانا .
هامش
( 1 ) ما بين [ ] هكذا في الأصل ، والذي في ( ع ) [ وخمها ] .
( 2 ) هكذا في الأصل والذي في ( ش ) و ( ع ) الأنس .