وبنور معرفته صلّى اللّه عليه وسلّم تعرفوا ، وبفضله عليهم اعترفوا ، فاستخرجه من لباب حبة " كن "
كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ
[ الفتح : 29 ] ،
فَاسْتَغْلَظَ
- بقرابته -
فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ
[ الفتح : 29 ] ، بصحة ذوقه وقوة توقه وشوقه .
فلما ظهر هذا الغصن المحمدي ، وسما : أورق عوده ونما ، وأنهل عليه سحاب القبول وهمى ، وتباشر بظهوره الحدثان ، وبشر بوجوده الثقلان ، وتعطرت بقدومه الأكوان ، وانتكست بمولده الأوثان ، ونسخت بمبعثه الأديان ، ونزل بتصديقه القرآن ، واهتزت طربا شجرة الأكوان ، وتحرك ما فيها من [ الأغصان ] " 1 " ، والعيدان ، وكان من أغصان هذه الشجرة : من أخذ ذات الشمال ، وما يهوى الضلال .
فلما أرسلت رياح الإرسال برسالة
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] ، استنشقها من
سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى
[ الأنبياء : 101 ] ، فمال إليها منعطفا ، فأصبح بالجاذبات الربانية مختطفا ، وبيد العناية مصطفى ، وأما من كان مزكوما ، أو من خلع القبول محروما ، فإنه عصفت به عواصف القدرة ، فأصبح بعد نضارته يابسا ، ووجه سعادته عابسا ، وراح من رجاء فلاحه قانطا آيسا .
وكان سر هذا الغصن لقاح شجرة الجود ، ودرّة صدفة الوجود ، وكان من روح روحانيته روح ، لكل موجود ، فبتلك الروحانية أدرك روح روحانيته علم كل شيء ، وجعله وجهة لكل شيء ، وانطوى على حبة كل شيء ، وحي بحياته كل شيء فصارت تلك الروحانية الجاذبة للقلوب إليها بمنزلة روحانيته . الجاذب لأجزاء الحديد إليه وهو معنى قوله تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] ، وتنزلت في حياة الوجود ووجودها بمنزلة الماء الذي به حياة كل شيء
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
[ الأنبياء : 30 ] ، وهو معنى سر قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] ، وتنزّلت في اهتداء الناس بنورها واستضائهم بضوئها بمنزلة الشمس المشرقة على سائر المخلوقات ، وانتفاع جميع الخلائق بها ؛ لإظهار النبات في الأشجار ، وتنمية الأزهار والثمار وتفرقة الليل من النهار ، وهو
هامش
( 1 ) هكذا في الأصل والذي في ( ع ) الألوان .