الزقوم ، وبرد نسيم القرب ، يمازج حر السموم ، وظل سماء الوصل متصل ب
ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ
[ الواقعة : 43 ] ، وقد تناول كل حظه المقسوم .
فواحد يشرب بكأسه المختوم . وواحد يشرب بكأسه المحتوم . وواحد من بينهم محروم .
فلما برزت أطفال الوجود ، من حضرة العدم ، هبّت عليهم نسمات القدرة ، وغذتها لطائف الحكمة ، وأمطرتها سحائب الإرادة ، بعجائب الصنع ، فأنبت كل غصن منها ما سبق له في القدم ، وركب في عنصره من الصحة والسقم .
والكون كله من عنصرين ، مستخرجين من جزءين من كلمة " كن " وهما : الظلمة والنور .
فالخير كله من النور . والشر كله من الظلمة .
فملأ الملائكة موجود من عنصر النور " 1 " ، فكان منهم الخير
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ التحريم : 6 ] ،
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
[ الأنبياء : 20 ] .
وملأ الشياطين من عنصر الظلمة ، فكان منهم الشر .
وأما آدم وبنوه ، فإنهم جعلت طينتهم من الظلمة والنور ، وركب عنصره من الخير والشر ، والنفع والضر ، وجعلت ذاته قابلة للمعرفة والنكرة ، فأي جوهر غلب عليه نسب إليه .
فإن علا جوهر نوره على جوهر الظلمة ، وظهرت روحانيته على جسمانيته ، فقد فضّل على الشيطان .
فلما [ خلق ] " 2 " اللّه آدم من قبضة تراب " كن " ، مسح على ظهره
حَتَّى يَمِيزَ
هامش
( 1 ) مصداقا لقول النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - : " خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجانّ من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم " رواه مسلم ( 2996 ) .
( 2 ) في ( ع ) قبض بدل خلق .