وقد ذمّ اللّه الحرص ونهى عنه ، فقال لنبيّه عليه السّلام : كن متزهّدا « 1 » في دار الفناء
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
يعني لنختبرهم فيه بالقلّة والكثرة والضّيق والسّعة ، ثمّ دلّه على القناعة التي هي سبب الرّاحة ، فقال :
وَرِزْقُ رَبِّكَ
يعني القوت من الحلال
خَيْرٌ وَأَبْقى
« 2 » .
ومعنى الحرص هو شقّ الأرض بأقدام الجهد وإتعاب البدن في طلب الفضول وإرادة الكثرة مع لزوم الطّمع ، يقال : حرص القصّار الثّوب : إذا شقّه .
وقيل : أبعد النّاس من الغفلة من دبّر أمر الدّنيا بالقناعة والتّسويف ، وأمر الآخرة بالحرص والتّعجيل ، وأمر الدّين بالعلم والاجتهاد ، والخلق بالنّصيحة والمداراة .
وقال عليّ بن عبيدة « 3 » : يا نفس ، لا تسلكي سبل الاستكثار من المال فإنّ جمعه حسرة ووبال ، واعتزّي بالقناعة فإنّها أشرف قدرا وأرفع ذكرا وخطرا وأقرب إلى منزلة السّعداء وأكسب للشّكر وأزلف عند الخالق من الاستكثار من الفتنة الذّميمة واحتمال أوزار المكاسب ولهث « 4 » الحرمان ، فإنّ هذه شرائع من حرم القناعة مع لوم الطّمع وثبات حجّة المقت ولزوم سمة البخل .
وقال : القناعة من أخلاق الصّالحين وآثار الصّدّيقين ، وبها قطعوا المفاوز والبحار وسلكوا سبيل الأبرار ونجوا من كدورة الاختيار وسلموا من نوائب الأدهار وتطهّروا من دنس الأوزار واطّلعوا على حقائق الأنوار وأبصروا معاني الأقدار واستسلموا للملك الجبّار .
هامش
( 1 ) . في الأصل : مزهدا .
( 2 ) . طه : 131 .
( 3 ) . مرّ اسمه ، وهو من عرفاء القرن الثالث .
( 4 ) . كذا ، ولعلّ الصّحيح : لهف .