ولا يسكن خوف الخائف أبدا حتّى يأمن من يخاف .
يدلّ عليه قول المصطفى صلّى اللّه عليه وآله لمعاذ : إنّ المؤمن لا يسكن روعته ولا يطمئنّ من اضطرابه حتّى تخلّف جسر جهنّم « 1 » .
وذكر عن المسيح صلوات اللّه عليه قال : إنّ خشية جهنّم وحبّ الفردوس يورثان الصّبر على المشقّة ويبعدان العبد من راحة الدّنيا « 2 » .
ومدح اللّه الخائفين ، فقال عزّ ذكره :
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
لذنوبهم
وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
« 3 » يعني ثواب عظيم في الجنّة .
ووعد الخائفين جنّتين موصوفتين ومن دونهما جنّتان معروفتان ، قال اللّه تعالى :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
« 4 » قيل : جنّة المأوى وجنّة النّعيم ، ثمّ وصفهما بأنواع الخيرات وفنون الكرامات ، ثمّ قال :
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ
« 5 » قيل : هما جنّة عدن وجنّة الفردوس ، وهما عندي - واللّه أعلم - بستانان في الجنان لأنّ الجنان . . « 6 » . لمن أتى بأكمل الطّاعات وأفضل الخيرات ، وذلك مقام الرّسل الأكرمين والأوصياء الصّدّيقين .
وقال عزّ ذكره في مدح الخائف :
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
« 7 » قيل في معناها : من خاف مقامه بين يدي ربّه فانتهى عن المعصية ، فالجنّة مأواه . وهو صحيح من التّأويل لأنّ المنتهي عن ركوب المعاصي والنّاهي نفسه عن الوقوع فيها ، هو من غلب عقله هواه وخصّ بالعصمة الواقية ، وهي درجة الرّسالة ومحلّ الوصاية .
هامش
( 1 ) . راجع كنز العمّال : 1 / 163 .
( 2 ) . الدرّ المنثور : 2 / 26 .
( 3 ) . الملك : 12 .
( 4 ) . الرّحمان : 46 .
( 5 ) . الرّحمان : 62 .
( 6 ) . هنا سقط من الأصل سطر واحد .
( 7 ) . النّازعات : 41 .