ثمّ معرفة الأغذية والأدوية ليقتصر على ما هو أقرب إليه نفعا وأبعد منه ضررا ، ويصل بقوّة تلك المعارف إلى ما فيه صلاح دينه وقوّة جسمه واعتدال طبعه واستقامة أسبابه .
واعلم أنّ أوّل أحوال العارفين التحيّر عند المشيئة . ثمّ الافتقار إلى الرّحمة . ثمّ الاحتقار في العظمة . ثمّ الاعتبار بالأدلّة . ثمّ الاصطبار على البليّة . ثمّ الاضطرار عند القدرة . ثمّ التّحيّر ؛ وهي الحالة الّتي تورد عليه الخرس والعمى والبكم حتّى كأنّه ميّت انقطاعا إلى اللّه وولها عليه ، فجفّت أوصافه ونفدت أنفاسه . سروره ممزوج بحزنه ، وحزنه ممزوج بسروره ، له حنين الثّكلى وأنين المرضى .
ولقد قلت في بعض كلامي : علامة العارفين عشرة أشياء :
أوّلها : انبساط القربة مع هيبة الربوبيّة .
والثّاني : جهد العبادة مع رؤية المنّة .
والثّالث : حياء المراقبة مع يقين المشاهدة .
والرّابع : صدق الإرادة مع حسن المعاملة .
والخامس : حسن الظّنّ مع وفاء العبوديّة .
والسّادس : ترك الدّنيا على موافقة السّنّة .
والسّابع : خوف القطيعة مع طمع الوصلة .
والثّامن : صفاء الهمّة مع استقامة الطّاعة .
والتّاسع : كمال الفتوّة مع تمام المروّة .
والعاشر : أدب الخدمة مع انس الصّحبة .
وقيل : مثل المعرفة في القلب كمثل شجرة نابتة في أرض سبخة ؛ ساقها اليقين ، وأغصانها التّوكّل ، وأوراقها الشّوق ، وثمرها المحبّة . فالطّاعة للسّبخة طينها ، والذّكر
كتاب في الأخلاق والعرفان — صفحة 131
مساهمون: مؤلف مجهول
ص١٣١