وقيل : المعرفة رؤية المنّة في إظهار الخلقة وتحسين الصّورة وإقامة الأدلّة .
وقيل : المعرفة انقطاع العبارة ، والإشارة ، وظهور الحقائق وبطلان الدّقائق .
وأمّا معناها على لسان التّصوّف ، فالمعرفة باللّه هي الجهل باللّه ، والجهل قبل العلم كفر وبعد العلم معرفة ، وأصل المعرفة النكرة [ و ] ليس من حقيقة المعرفة ما دلّ عليه بالعبارة أو عناه بالإشارة « 1 » .
حقيقة المعرفة خارجة عن الأفهام مخالفة للأوهام ، لا يظهر الحقائق ما لم يبطل الدّقائق .
حقيقة معرفة المعروف ليس في شيء من الحروف . اللسان والعبارة والبيان والإشارة طريق علم المعرفة وليست بمعرفة ، فإذا خرس اللسان ووقف البيان فهناك وقع الكشف عن نور المعرفة وليست بمعرفة ، فإذا فقد نفسه في نفسه عن نفسه وخلا قلبه عن قلبه نودي عليه بالفناء وانزل في مدارج البقاء ، فعلى قدر تلك البصيرة كشف له عن الحقيقة
ولا يصحّ الإيمان إلّا بصدق المعرفة ، فإن كان الإيمان بربّ مجهول فذاك كفر التّعطيل ، وإن كان بربّ معلوم فذاك شرك التّشبيه ، مجهول بنفي الصّفات ، معلوم بوصف الصّفات واللّه معلوم العلم لا معلوم العيان ، فصفاته للمعرفة ثابتة بلا كيف .
ومثل المعرفة والإيمان كمثل الأرض والبنيان ؛ فالبنيان يثبت في الهواء على استواء الأصل ، والإيمان بالغيب يصحّ على استقامة الأصل ، والأرض أصل ثابت بالقدرة بلا أسباب ، والمعرفة أصل قائم بالمنّة من غير اكتساب .
وسئل الشبلي : أيّ شيء أعجب ؟ قال : قلب عرف اللّه ثمّ عصاه ، والمعرفة باللّه « 2 » وحياة القلب مع اللّه ، ومن جهل قدره هتك ستره .
وقيل : المعرفة رؤية الربّ من طريق الدّلالة ، فقد سأل أعرابيّ أمير المؤمنين
هامش
( 1 ) . في الأصل : ما دلّ ( دلّت ) عليه العبارة أو عناه ( عنته ) الإشارة .
( 2 ) . كذا في الأصل .