فلما قبض المولى الثمن وأراد الانصراف ، استعبر كل واحد إلى صاحبه باكيا ، وأنشأت الجارية تقول :
هنيئا لك المال الذي قد حويته * ولم يبق في كفّيّ غير التذكّر
أقول لنفسي وهي في غشي كربة * أقلّي فقد بان الحبيب أو أكثري
إذا لم يكن للأمر عندك حيلة * ولم تجدي شيئا سوى الصبر فاصبري
فاشتد بكاء المولى ، ثم أنشأ يقول :
فلو لا قعود الدهر بي عنك لم يكن * يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري
أروح بهمّ في الفؤاد مبرّح * أناجي به قلبا شديد التفكّر
عليك سلام لا زيارة بيننا * ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فقال ابن معمر : قد شئت ، خذها ولك المال ، وانصرفا راشدين ، فو اللّه لا كنت سببا لفرقة محبّين .
أخبرنا أبو منصور القزاز ، قال : أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ، قال :
أنبأنا أبو القاسم الأزهري ، قال : أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن عرفة ، قال : حدثنا محمد بن الحسين ، عن هشام ، قال : حدثنا علي بن الجهم ، عن أبيه ، قال :
أصبحت ذات يوم وأنا في غاية الضيق ، فطلبت الخادم ، فلم أجده ، ثم جاء ، فقلت : أين كنت ؟ قال : كنت في احتيال شيء لك وعلف لدابتك ، فو اللّه ما قدرت عليه . قلت : أسرج لي . وركبت ، فلما صرت في سوق يحيى إذا أنا بموكب عظيم ، وإذا الفضل بن يحيى بن خالد ، فلمّا بصر بي ، قال : سر ، فسرنا قليلا وحجز بيني وبينه غلام يحمل طبقا على باب يصيح بجارية . فوقف الفضل طويلا ، ثم قال : سر ، ثم قال : تدري سبب وقوفي ؟ قلت : إن رأيت أن تعلمني .
قال : كانت لأختي جارية ، وكنت أحبها حبا شديدا ، وأستحيي من أختي أن أطلبها منها ، ففطنت أختي لذلك ، فلما كان في هذا اليوم لبّستها وزيّنتها وبعثت