تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب ذم الهوى — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
فلما أصبح عبد اللّه لم يشعر إلا بالمال قد وافى به . فقيل لعبد اللّه : قد بعث العراقي بعشرة آلاف دينار ، وقال : هذا ثمن عمارة : فردها وكتب إليه : إنما كنت أمزح معك ، ومما أعلمك أن مثلي لا يبيع مثلها . فقال له : جعلت فداك ! إن الجد والهزل في البيع سواء . فقال له عبد اللّه : ويحك ! ما أعلم جارية تساوي ما بذلت ، ولو كنت بائعها من أحد لآثرتك ، ولكني كنت مازحا وما أبيعها بملك الدنيا ، لحرمتها بي وموضعها من قلبي . فقال العراقي : إن كنت مازحا فإني كنت جادّا ، وما اطلعت على ما في نفسك ، وقد ملكت الجارية وبعثت إليك بثمنها ، وليست تحلّ لك ، وما لي من أخذها بدّ . فمانعه إياها ، فقال له : ليست لي بينة ولكني أستحلفك عند قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومنبره . فلما رأى عبد اللّه الجدّ قال : بئس الضيف أنت ! ما طرقنا طارق ولا نزل بنا نازل أعظم بلية منك ، أتحلّفني فيقول الناس : اضطهد عبد اللّه ضيفه وقهره ، فألجأه إلى أن استحلفه ! أما واللّه ليعلمنّ اللّه عز وجل أني سائله في هذا الأمر الصبر وحسن العزائم . ثم أمر قهرمانه بقبض المال فيه وتجهيز الجارية بما يشبهها من الخدم والثياب والطيب . فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار ، وقال : هذا لك ، ولك عوضها مما ألطفتنا ، واللّه المستعان . فقبض العراقي الجارية وخرج بها . فلما برز من المدينة قال لها : يا عمارة ، إني واللّه ما ملكتك قط ، ولا أنت لي ، ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار ، وما كنت لأقدم على ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأسلبه أحبّ الناس إليه لنفسي ، ولكني دسيس من يزيد بن معاوية وفي طلبك بعث بي ، فاستتري مني ،
كتاب ذم الهوى — صفحة 602 | ابن الجوزي / محمد إبراهيم الزغلي / عصام فارس الحرستاني