عن غبار العسكر . فمالا عنه ، فأصاب الرشيد جوع شديد ، فعدل إلى خيمة أعرابي فاستطعم ، فأتاه بكسيرات خبز يابس ، فقال جعفر : قد تبذل الأعرابي فيما قدم . فقال الأعرابي : مهلا ويحك ! فإن الجود بذل الموجود . أما سمعت قول الشاعر :
وما ذاك من بخل ولا من ضراعة * يلام على معروفه وهو محسن « 1 »
ألم تر أن المرء من ضيق عيشه * ولكن كما يزمر له الدهر يزفن « 2 »
فقال الرشيد : صدق الأعرابي وأحسن . ثم أمر له بعشرة آلاف درهم .
74 - خرج الوليد بن يزيد بن عبد الملك متصيدا ، فانفرد مع الحسين ابن عبيد الكلابي « 3 » ، وجاع فقدم إليه نبطي خبز شعير وكراثا « 4 » وزيتا رثيثا . فقال الحسين :
إن من يطعم شيئا مع الزيت * بخبز الشعير والكراث
لحقيق بلطمة أو بثنتين * لقبح الصنيع أو بثلاث
فقال الوليد : مه ، قبحك اللّه ! فإن الجود بذل المجهود ، هلا قلت :
لحقيق ببدرة أو بثنتين * لحسن الصنيع أو بثلاث
وأمر له بثلاث بدر .
75 - فيلسوف : آفة الجود الخطأ بالمواضع .
هامش
( 1 ) الضراعة : الذل والخضوع . وضرع فلان لفلان إذا ما تذلل له وتخشع وسأله أن يعطيه .
( 2 ) يزفن : يزفن : يرقص . والزفن هو الرقص أو شبيه بالرقص .
( 3 ) الحسين بن عبيد الكلابي : لم نقع له على ترجمة في ما بين أيدينا من مصادر .
( 4 ) الكراث : ضرب من النبات ممتد أهدب إذا ترك خرج من وسطه طاقة فطارت واحدته كراثة .