وقال مالك بن أنس « 1 » : بلغني أن عيسى عليه السلام ، انتهى إلى قرية قد خربت حصونها ، وجفّت أنهارها ، وتشعّث شجرها « 2 » ، فنادى : يا خراب ! أين أهلك ؟ فلم يجبه أحد ، ثم نادى : يا خراب ، أين أهلك ؟ فلم يجبه أحد ، فنودي عيسى بن مريم عليه السلام : بادوا وتضمّنتهم « 3 » الأرض ، وعادت أعمالهم قلائد في أعناقهم إلى يوم القيامة ، فبكى عيسى عليه السلام .
قال مالك : سئلت امرأة من بقية قوم عاد . يقال لها « هرثمة » « 4 » ، أي عذاب الله رأيت أشد ؟ قالت : كل عذاب الله شديد ، وسلام الله ورحمته على ليلة لا ريح فيها ، ولقد رأيت العير تحملها الريح بين السماء والأرض .
وقال مجاهد « 5 » : كان طعام يحيى بن زكريا « 6 » العشب ، وإن كان ليبكي من خشية الله تعالى ، ما لو كان القار « 7 » على عينيه لأحرقه ، ولقد كانت الدموع اتخذت مجرى في وجهه .
ومرّ بعض الملوك بسقراط الحكيم « 8 » وهو نائم ، فركضه برجله ، وقال :
قم ، فقام غير مرتاع منه ولا ملتفت إليه ، فقال له الملك : أما تعرفني ؟ قال :
لا ، ولكني أرى فيك طبع الدواب ، فهي تركض بأرجلها . فغضب ، وقال :
أتقول لي هذا وأنت عبدي ؟ فقال له سقراط : بل أنت عبد عبدي ، قال : وكيف
هامش
( 1 ) مالك بن أنس : إمام دار الهجرة ، سبقت ترجمته .
( 2 ) تشعث : تفرّق .
( 3 ) تضمّنتهم الأرض : حوتهم وضمّتهم .
( 4 ) هكذا ورد اسمها في ( ط ، خ ) ووردت القصة واسم تلك المرأة في كتاب : [ غوامض الأسماء المبهمة ، لابن بشكوال 2 / 542 ] [ هزيمة ] ، وقوم عاد نسبة إلى عاد بن إرم ، كانت مساكنهم بالأحقاف في اليمن ، وكانت لهم حضارة وأرسل الله لهم النبي « هود » عليه السلام ، فكذّبوه ، فأرسل الله عليهم الريح العقيم فأهلكهم عن آخرهم ، ونجّى هودا والمؤمنين به كما ورد في القرآن الكريم ( انظر :
سورة الأعراف ، هود ، الأحقاف ، الذاريات ) .
( 5 ) مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي ، تابعي مفسر من أهل مكة ، بل هو شيخ القرّاء والمفسرين ، وكان فقيها كثير الحديث ، تنقل في الأسفار واستقر في الكوفة ومات وهو ساجد سنة 104 ه . ( الأعلام : 5 / 278 ) .
( 6 ) يحيى بن زكريا عليه السلام : نبي من أنبياء بني إسرائيل ، ورد ذكره في سورة مريم .
( 7 ) القار : مادة سواء تطلى بها السفن والإبل ، وقيل : هو الزفت .
( 8 ) سقراط الحكيم : فيلسوف يوناني ، ولد في أثينا وعلّم بها فأحدث ثورة في الفلسفة بأسلوبه وفكره ، وساعد تلاميذه على اكتشاف المعرفة ، حارب السفسطة وانتقد الحكم فحكم عليه خصومه بالاعدام ففضّل الموت على الهرب ، وشرب السمّ ومات في سجنه حوالي 399 ق . م ، وقد وصلت إلينا تعاليمه خاصة من خلال كتب تلميذه أفلاطون . ( الموسوعة الفلسفية ) .