أليس في هذا ما أذهل العقول ، وطيّش الحلوم « 1 » ، ومنع اللذات ، وهان عنده مفارقة الأهلين والمال ، واللّحوق بقلل الجبال ، والأنس بالوحوش حتى يأتي أمر الله ! أليس في هذا ما صغّر الدنيا وما فيها ؟ . أليس في هذا ما حقّر الملك عند من عظّمه ، والمال عند من جمعه ؟ أليس في هذا ما زهّد في اللّذات وسلّى عن الشهوات ؟ .
وقال مسعر : [ كم من مستقبل يوما لا يستكمله ، ومنتظر غدا وليس من أجله ، إنّكم لو أبصرتم الأجل ومسيره ، لأبغضتم الأمل وغروره ] « 2 » .
ولما بنى المأمون بن ذي النون « 3 » - وكان من ملوك الأندلس - قصره ، وأنفق فيه بيوت الأموال « 4 » ، جاء على أكمل بنيان في الأرض ، وكان من عجائبه : أن صنع فيه بركة ماء كأنها بحرة ، وبنى في وسطها قبة ، وساق الماء من تحت الأرض حتى علا على رأس القبة ، على تدبير قد أحكمه المهندسون ، وكان الماء ينزل من أعلى القبّة حواليها ، محيطا بها ، متصلا بعضه ببعض ، فكانت القبة في غلالة « 5 » من ماء سكبا لا يفتر ، والمأمون قاعد فيها ، فروي عنه أنه بينما هو نائم إذ سمع منشدا ينشد هذين البيتين :
أتبنى بناء الخالدين وإنّما * بقاؤك فيها لو عقلت قليل
لقد كان في ظلّ الأراك كفاية * لمن كلّ يوم يقتضيه رحيل
فلم يلبث بعدها إلا يسيرا حتى قضى نحبه :
ووجد مكتوبا على قصر ، قد باد أهله وأقفرت منازله :
هذى منازل أقوام عهدتهم * في خفض عيش نفيس ما له خطر
صاحت بهم نائبات الدّهر فانقلبوا * إلى القبور فلا عين ولا أثر
هامش
( 1 ) طيش الحلوم : ذهب بعقل الرجل الحليم .
( 2 ) سقط اسم مسعّر من ( ط ) ، وهو مسعر بن كدام بن ظهير الهلالي ، من ثقات أهل الحديث ، كوفي ، كان يقال له : « المصحف » لعظم الثقة بما يرويه ، توفي بمكة سنة 152 ه . ( الأعلام : 7 / 216 ) .
وقد عدّ البعض هذا القول حديثا ، حيث رواه أبو نعيم في حلية الأولياء عن ابن عيينة عن مسعر عن عون بن عبد الله ( حلية الأولياء 4 / 243 ) ؛ كما ذكره المناوي في شرح الجامع الصغير ، وقال : رواه الديلمي في مسند الفردوس بإسناد ضعيف ( التيسير في شرح الجامع الصغير 2 / 223 ) .
( 3 ) المأمون بن ذي النون : من ملوك الطوائف في الأندلس ، صاحب طليطلة ، احتل بلنسية وانتزع قرطبة من ابن عبّاد ، مات سنة 460 ه . ( الأعلام : 8 / 138 ) .
( 4 ) في ( خ ) وانفق منه خزائن أمواله .
( 5 ) القبة في غلالة من ماء : الماء يجري حولها ويطوقها كأنها تلبسه .