ومن الشعر المستحسن في هذا الباب قول القائل « * » :
ربّ ورقاء هتوف بالضّحى * ذات شجو صدحت في فنن « 1 »
ذكرت إلفا ودهرا صالحا * فبكت حزنا فهاجت حزنى « 2 »
فبكائى ربّما أرّقها * وبكاها ربّما أرّقنى « 3 »
فإذا تسعدني أسعدها * وإذا أسعدها تسعدني
ولقد تشكو فما أفهمها * ولقد أشكو فما تفهمنى
غير أنّى بالجوى أعرفها * وهي أيضا بالجوى تعرفني « 4 »
* * *
فصل في بعض الأخبار والمواعظ « * * » :
ونظر رجل من العبّاد إلى باب ملك من الملوك ، وقد شيّده وأتقنه ، وزوّقه ، فقال : باب حديد ، وموت عتيد « 5 » ، ونزع شديد ، وسفر بعيد .
ولما ثقل عبد الملك بن مروان « 6 » رأى غسّالا يلوي بيده ثوبا ، فقال :
وددت أنّي كنت غسّالا ، لا أعيش إلا بما أكسبه يوما فيوما ، فبلغ ذلك أبا حازم « 7 » فقال : « الحمد لله الذي جعلهم يتمنّون عند الموت ما نحن فيه ، ولا نتمنّى عنده ما هم فيه » .
هامش
* قائل هذه الأبيات : أبو البقاء الرندي في الحنين إلى الوطن .
( 1 ) الورقاء : الحمامة ، هتفت الحمامة : ناحت وصاحت ومدّت صوتها . الحمامة الهتوف : كثيرة الهتاف . صدحت : رفعت صوتها بالغناء . الفنن : الغصن المستقيم .
( 2 ) الإلف : الصديق والمؤانس ومن تألفه النفس . الحزن والحزن : الهم وخلاف السرور .
( 3 ) أرّقني : إيراقا وتأريقا : أسهرني وأذهب عني النوم في الليل .
( 4 ) الجوى : شدة الوجد من حزن أو عشق .
* * من إضافات المحقق .
( 5 ) العتيد : الحاضر والمهيّأ .
( 6 ) عبد الملك بن مروان : الخليفة الأموي الخامس ، سبقت ترجمته . ومعنى ثقل : اشتد مرضه .
( 7 ) أبو حازم : سلمه بن دينار المخزومي ، ويقال له : الأعرج ، عالم المدينة وقاضيها وشيخها ، كان زاهدا عابدا مات سنة 140 ه . ( الأعلام 3 / 113 ) .