وقال بعض الحكماء : الدّنيا كالماء المالح ، كلّما ازداد صاحبه شربا ازداد عطشا ، وكالكأس من العسل في أسفله السمّ ، للذائق منه حلاوة عاجلة وله في أسفله الموت الذّعاف « 1 » ، وكالأحلام للنائم التي تفرحه في منامه ، فإذا استيقظ انقطع الفرح ، وكالبرق الذي يضيء قليلا ، ويذهب وشيكا ويبقى رائيه في الظلام مقيما ، وكدودة الإبريسم « 2 » التي لا يزداد الإبريسم على نفسها لفّا إلا ازدادت من الخروج بعدا ، وفيه قال القائل :
كدود كدود القزّ ينسج دائما * ويهلك غمّا وسط ما هو ناسجه « 3 »
ومثال من يستعجل زهرة الحياة الدنيا ويعرض عن الدار الآخرة ، مثال رجلين لقطا من الأرض حبّتي عنب ، فأمّا أحدهما فجعل يمص الحبة التذاذا بها ، ثم بلعها ، وأمّا الآخر فزرع الحبة فلما كان بعد زمان التقيا ، فأما الذي زرع الحبة وجدها قد صارت له كرما وكثرت ثمرته ، وفكّر الآخر في صنعه في الحبّة فوجدها قد صارت عذرة « 4 » ، وليس عنده منها شيء إلا الحسرة على تفريطه ، والغبطة لصاحبه .
وقال وهب بن منبّه « 5 » : أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل :
إن أردت أن تسكن معي في حضرة القدس ، فكن في الدنيا وحيدا فريدا ، مهموما وحشيا ، بمنزلة الطير الوحداني ، الذي يظل في الأرض الفلاة ، ويأكل من رؤوس الشجر ، ويشرب من ماء العيون ، فإذا كان الليل أوى وحده ولم يأو مع الطير استئناسا بربّه .
ولبعضهم :
كم للحوادث من صروف عجائب * ونوائب موصولة بنوائب « 6 »
ولقد تقطّع من شبابك وانقضى * ما لست أعلمه إليك بآئب « 7 »
تبغي من الدّنيا الكثير وإنّما * يكفيك منها مثل زاد الرّاكب
هامش
( 1 ) الموت الذعاف : ويقال أيضا : الموت الزعاف : أي الموت السريع .
( 2 ) الإبريسم أو الإبرسم : كلمة فارسية وتعني : الحرير .
( 3 ) الكدود : الكثير الكد وبذل الجهد .
( 4 ) العذرة : الغائط أو أردأ ما يخرج من الطعام .
( 5 ) وهب بن منبه : التابعي المؤرخ ، سبقت ترجمته .
( 6 ) صروف الدهر : نوائبه وأحداثه العجيبة .
( 7 ) آئب : راجع .