الباب الرابع والستون مشتمل على حكم منثورة « 1 »
اعلم أيّها المريد : أن الله تعالى يمتحن أنبياءه وأصفياءه بأعدائه ، ويضطرّ أولياءه وأحبّاءه إلى أعدائه ، رفعة وتقريبا لأنبيائه ، وتمحيصا لهفوات أوليائه ، وذخرا لهم عنده وزلفى لديه ، تعظيما لأقدارهم ، وتشريفا لمنازلهم ، وترفيعا لدرجاتهم .
قال الله سبحانه وتعالى - تعزية لنبيّه محمد صلى اللّه عليه وسلم لعظيم ما كان يلقاه من سطوات أعدائه - :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً
[ الأنعام : 112 ] . وقال تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ
[ الفرقان : 31 ] يا محمد : لا تستوحش منّا ، ولا تتّهمنا في سيرتنا فيمن نحبّه ويحبّنا ، فالبلاء على وجهين : أحدهما كفّارة « 2 » لذنب ، والآخر رفع درجة وتوفير أجر . ولذلك كان أشدّ الناس بلاء الأنبياء ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل ، فالبلاء بلاءان : بلاء رحمة : لتضعيف درجة وتمحيص سيئة ، وبلوغ فضيلة وعلو منزلة ، وبلاء عقوبة : لانتهاك حرمة ، واقتراف معصية .
لن تخلو المكاره أن تكون لحادث رحمة ، فلا رغبة عمّا أنعم الله به منها ، أو لسيئة عن إضاعة فلا غنى عن زاجر عنها ، فلأىّ ذلك كان حلولها ، عظمت به المنّة ، ووجبت لله به النّعمة .
وكان جعفر بن محمد « 3 » رضي الله عنه ، إذا وقع في شيء يكرهه يقول :
« اللهم اجعله أدبا ولا تجعله غضبا » .
وفي الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لو كان المؤمن في رأس جبل لقيّض الله له من يؤذيه » « 4 » يا من ضاق صدره ، وحرج قلبه ، وساء خلقه ، من عدوّ أقلقه ،
هامش
( 1 ) في ( خ ) مشتمل على حكم منثورة وأحاديث مشهورة ، وهو الفصل الخامس من الباب 63 .
( 2 ) سقطت كلمة ( كفارة ) من ( ط ) .
( 3 ) هو جعفر الصادق . سبقت ترجمته .
( 4 ) قال العجلوني في كشف الخفاء رقم ( 2117 ) رواه الديلمي بلا سند عن انس مرفوعا ، وقال السيوطي : رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي عن أنس بلفظ : ( لو كان المؤمن في جحر ضب لقيّض الله له من يؤذيه ) وقال حديث ضعيف ( الجامع الصغير رقم 7467 ، 7468 ) .