وحفر حفير « 1 » بفارس ، فوجد فيه لوح رخام ، فيه أربعة أسطر محفورة ، أولها : أيّها المعافى أبشر بالبلاء . والثاني : أيها السالم توقّع العطب ، والثالث :
أيها الآمن خذ أهبة الخوف ، والرابع : أيها الموسر لن يبعد عنك العسر .
ولما نزل أبو مسلم « 2 » مدينة سمرقند ، أتاه أسبهندها « 3 » . فقال : أيها الملك إن بالقندهار « 4 » حجرا مدفونا فيه ثلاثة أسطر ، وجدت في الكتب ، أن سليمان بن داود عليهما السلام بعث به ودفن في هذا الموضع ، ووجد أنك أنت الذي تستخرجه ، وتعمل بما فيه ، فأمر به فأخرج ، فإذا أول سطر منه :
الحزم انتهاز الفرصة وترك الونى « 5 » فيما يخاف عليه الفوت ، والسطر الثاني : الرّئاسة لا تتم إلا بحسن السياسة ، والسطر الثالث : لم يقتل الآباء من ترك الأبناء ، ولم يصب من لم يخب « 6 » .
فكان أبو مسلم يقول : علم جليل به تتمّ هذه الدولة ، إن لم ينزل القدر بما يحول بيننا وبين الحذر ، فلم يزل يستعمل هذا الكلام إلى أن قدم العراق فأعماه القدر عن الاستعانة بالحذر ، فقتله أبو جعفر المنصور .
ولما حج أبو مسلم قيل له : إن بالحيرة نصرانيا قد أتت عليه مائتا سنة ، وعنده علم من العلم الأوّل ، فوجّه إليه فأتى به ، فلما نظر الشيخ إلى أبى مسلم قال : قدمت بالكفاية ، ولم تأل « 7 » في العناية ، وقد بلغت النهاية ، أحرقت نفسك لمن سيسكت حسّك ، وكان قد عاينت رمسك « 8 » . فبكى أبو مسلم .
هامش
( 1 ) حفرة وحفير وحفيرة بمعنى واحد .
( 2 ) هو أبو مسلم الخراساني عبد الرحمن بن مسلم أحد كبار القادة الذين قامت على أكتافهم ولادة الدولة العباسية أرسله إبراهيم بن محمد إلى خراسان فأقام فيها داعية ولما استمال أهلها وثب على الكرماني فقتله واستولى على نيسابور وخطب باسم السفّاح ثم قاتل جيش مروان بن محمد آخر خلفاء بنى أمية وهزمه وصفا الجوّ للعباسين ولما جاء أبو جعفر المنصور خشي من طمع أبو مسلم فقتله سنة 137 ه ، ( الأعلام 3 / 337 ) .
( 3 ) أي أسقفها .
( 4 ) القندهار : مدينة في جنوب أفغانستان .
( 5 ) الونى : اى التأنى .
( 6 ) لم يصب من لم يخب : لا يتأذى من يتأنّى ولم يتعجّل .
( 7 ) لا يأل : لا يقصّر .
( 8 ) الرمس : القبر مستويا لا يعلو عن وجه الأرض .