وقال الوضّاحى « 1 » : وجّه أنوشروان رسولا له إلى ملك قد أجمع على محاربته ، وأمره أن يتعرّف سيرته في نفسه ورعيته ، فرجع إليه ، فقال : وجدت عنده الهزل أقوى من الجد ، والكذب أكثر من الصدق ، والجور أرفع من العدل ، فقال أنوشروان : رزقت الظّفر به ، سر إليه ، وليكن عملك في محاربته بما هو عنده أضعف وأقلّ وأوضع ، فإنك منصور وهو مخذول ، فسار إليه « 2 » فقتله ، واستولى على مملكته .
وقال بزرجمهر : المزح آفة الجدّ ، والكذب عدوّ الصدق ، والجور مفسدة الملك فإذا استعمل الملك الهزل ذهبت هيبته ، وإذا استصحب الكذب استخفّ به ، وإذا بسط الجور فسد سلطانه .
وكان نقش خاتم رستم - وهو أحد ملوك الفرس - الهزل مبغضة ، والكذب منقصة ، والجور مفسدة .
وقتل لبعض أصحاب ( اسفنديار ) « 3 » رجل من الترك ، فأصيب « 4 » في عنقه لوح ذهب ، مكتوب فيه : آفة الشّدة التهيّب ، وآفة المنطق الحياء ، وآفة كلّ شيء الكذب .
وقيل لبعض الحكماء : ما قيمة الصدق ؟ قال : الخلد في الدنيا . قيل : فما قيمة الكذب ؟ قال : موت عاجل . قيل : فما قيمة العدل ؟ قال : ملك الأبد .
قيل : فما قيمة الجور ؟ قال : ذل الحياة .
وقال : وسأل ملك الهند الإسكندر - وقد دخل بلاده - ما علامة الملك ودولته ؟ قال له : الجد في كل الأمور . قال : فما علامة زواله ؟ قال : الهزل فيه .
قال : فما سرور الدنيا ؟ قال : الرضا بما رزقت . قال : فما غمّها ؟ قال : الحرص على ما لعلّك لا تناله .
هامش
( 1 ) الوضّاحى : محمد بن الحسن بن علي بن الوضاح الأنباري أبو عبد الله ، شاعر أصله من الأنبار ، انتقل إلى خراسان ونيسابور - وعلت شهرته توفي في نيسابور سنة 355 ه ، ( الأعلام 6 / 97 ) .
( 2 ) في ( خ ) فسار إليه فعمل بما أوصاه فقتله .
( 3 ) اسفنديار بن بشتاسب من ملوك الفرس ، ملك تركيا لما نقضت الصلح مع والده بشتاسب ، فسار إليهم وقتل وسبى ودوخ البلاد ثم سيّره والده إلى رستم وقتله ، انظر : الكامل في التاريخ 1 / 208 وما بعدها .
( 4 ) أصيب في عنقه : أي وجد في عنقه .