فقال : لا تبك فإنّك لم تؤت من حزم وثيق ، ولا من رأى رتيق « 1 » ، ولا تدبير نافع ، ولا من سيف قاطع ، ولكن ما استجمع أحد لأمله إلا أسرع في تقريب أجله ، قال : فمتى تراه يكون ؟ قال : إذا تواطأ الخليفتان على أمر كان ، والتقدير في يدي من يبطل معه التّدبير ، وإن رجعت إلى خراسان سلمت ، وهيهات . فأراد الرجوع ، فكتب إليه السلطان بالمضي ، ووجّه إليه من يحثّه ، فلو لا أن البصر يعمى إذا نزل القدر ، لكانت هذه دلالة تقع موقع العيان ، وتبعث على التيقّظ في الحذر ، والاحتيال في الهرب ، على أن لكل نفس غاية ، ولكل أمر نهاية .
وقيل لجالينوس « 2 » ، وهو حكيم الطب وفيلسوفه - وقد نهكته العلّة - ألا تتعالج ؟ فقال : إذا كان الدّاء من السّماء بطل الدواء ، وإذا قدّر الرّبّ بطل حذر المربوب « 3 » ، ونعم الدواء الأجل وبئس الداء الأمل .
وقال بعض الغزاة : فتحنا حصنا من بلاد الروم ، فرأينا فيه صورة أسد من حجر ، مكتوب عليه : الحيلة خير من الشّدة ، والتأنى أفضل من العجلة ، والجهل في الحرب أحزم من العقل ، والتفكّر في العاقبة مادّة الجزع .
وقال أحمد بن سهل « 4 » : وجه ملك الروم إلى هارون الرشيد بثلاثة أسياف ، مع هدايا كثيرة ، وعلى سيف منها مكتوب : أيها المقاتل : احمل تغنم ، ولا تفكر في العاقبة فتهزم ، وعلى الثاني منها مكتوب : إذا لم تصل ضربة سيفك فصلها بإلقاء خوفك ، وعلى الثالث مكتوب : التأنى فيما لا يخاف عليه الفوات أفضل من العجلة إلى إدراك الأمل .
هامش
( 1 ) الرأي الرتيق : الصائب والصالح .
( 2 ) جالينوس : طبيب يوناني اشتهر خاصة باكتشافاته في التشريح ، ترجم العرب مؤلفاته وأخذوا من علومه ، قيل مات سنة 201 ه
( 3 ) المربوب : المخلوق .
( 4 ) أحمد بن سهل البلخي : أحد الكبار الأفذاذ من علماء الإسلام ، جمع بين الشريعة والفلسفة والأدب والفنون له مصنفات كثيرة منها ما سبق به علماء البلدان في الإسلام كافة إلى استعمال رسم الأرض في كتابه ( صور الأقاليم الإسلامية ) ، توفي سنة 322 وقيل سنة 340 ه ، ( انظر : الأعلام 1 / 134 ، إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون 4 / 196 ) .