تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الملوك — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
له عن استفسادها ، وقد فزعت رعيتك إليك لفضل العجز عن الالتجاء إلى من لا تزيده الإساءة إلى خلقه عزّا ، ولا ينقصه العود بالإحسان إليهم ملكا ، وما أحد أولى بحفظ الوصية من الموصي ، ولا بركوب الدّالّة من الدّالّ « 1 » ، ولا بحسن الرّعاية من الراعي ، ولم تزل في نعمة لم تغيّرها نقمة ، وفي رضى لم يكدّره سخط ، إلى أن جرى القدر بما عمى منه البصر ، وذهل عنه الحذر ، فسلب الموهوب ، والسالب هو الواهب ، فعد إليه بشكر النعم ، وعد به من فظيع النّقم ، فمتى تنسه ينسك ، ولا تجعلنّ الحياء من التذلّل للمعزّ المذل شركا « 2 » بينك وبين رعيتك ، فتستحقّ مذموم العاقبة ، ولكن مرهم ونفسك بصرف القلوب إلى الإقرار لله بكنه القدرة وتذليل الألسن في الدعاء بمحض الشّكر ، فإن الملك ربما عاقب عبده ، ليرجعه عن سيّئ فعل إلى صالح عمل ، أو ليبعثه على دءوب « 3 » شكر يحوز به فضل أجر ، فأمرها الملك أن تقوم فيهم فتنذرهم بهذا الكلام ففعلت ، فرجع القوم عن بابه ، وقد علم الله تعالى منهم قبول الوعظ في الأمر والنهى ، فحال عليهما الحول ، وما بينهم مفتقد نعمة كان سلبها ، وتواترت عليهم الزيادات بجميل الصّنع ، فاعترف الملك لها بالفضل ، فقلدها الملك بعده ، وجمع الرعية على الطاعة لها في المحبوب والمكروه ، فهذا فعل الله تعالى بأعدائه وضرائر « 4 » نعمته ، لما شكروه أعاد لهم من نعمه ما كان قد استرجع ، وزادهم من فضله ما تمنّوه ، فكيف بمن يوحّدونه ويؤمنون به ، لو صدقت نيّاتنا وصحّت ضمائرنا ؟ وقال الواقدي « 5 » : توفى رسول بعض الملوك بدمشق ، في خلافة هشام « 6 » فوجد في جيبه لوح من ذهب ، مكتوب فيه : إذا ذهب الوفاء نزل البلاء ، وإذا مات الاعتصام عاش الانتقام ، وإذا ظهرت الخيانات امتحقت « 7 » البركات .
هامش
( 1 ) الدّالة : مؤنث الدال وهي الجرأة . ( 2 ) الشرك : الشراكة بينك وبينهم . ( 3 ) دأب دأبا ودءوبا في العمل : استمر عليه فهو دائب ودءوب . ( 4 ) ضرائر : جمع ضروري . ( 5 ) الواقدي محمد بن عمر بن واقد السهمي من أقدم المؤرخين في الإسلام تولى قضاء بغداد واتصل بخالد البرمكي كان عالما إماما له عدة تصانيف منها المغازي والفتوحات ، توفى سنة 207 ه ، ( الأعلام 6 / 311 ) . ( 6 ) أي هشام بن عبد الملك الأموي العاشر وقد سبقت ترجمته . ( 7 ) امتحقت : زالت .