الاجترام « 1 » ، قد كسا رعيّته جميع نعمته ، وقصرهم « 2 » تعنيف عقوبته ، فهم يتراءونه تراءى الهلال حيالا « 3 » ، ويخافونه مخافة الموت نكالا « 4 » ، وقد وسعهم عدله ، ورد عنهم سطوة عقله ، فلا تمتهنه مزحة ، ولا تؤيسه غفلة ، إذا أعطى أوسع ، وإذا عاقب أوجع ، فالناس اثنان : راج وخائف ، فلا الراجي خائب الأمل ، ولا الخائف بعيد الأجل ، قلت : فكيف رهبتهم له ؟ قال : لا ترفع إليه العيون أجفانها ، ولا تتبعه الأبصار إنسانها « 5 » ، كأن رعيّته قطا « 6 » فرّقت عليها صقور صوائد . قال فحدّثت المأمون بهذين الحديثين ، فقال لي : كم قيمتهما عندك ؟ قلت : ألفا درهم . قال : يا فضل : إن قيمتهما أكثر من الخلافة ، أما علمت حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال : ( قيمة كلّ امرئ ما يحسن ) . أفتعرف أحدا من الخطباء البلغاء يحسن أن يصف أحدا من خلفاء الله الراشدين المهديين بمثل هذه الصفة ؟ قلت : لا ، قال : فقد أمرت لهما بعشرين ألف دينار معجّلة لهما ، واجعل العدة مادّة « 7 » بيني وبينهما على العود ، فلو لا حقوق الإسلام وأهله لرأيت اعطاءهما ما في بيت المال الخاصة والعامة دون ما يستحقانه .
وقال الفضل بن سهل « 8 » : كان عندي رسول ملك الروم ، وكان يحدثني عن أخت للملك ، يقال لها ( خاتون ) قال : أصابتنا سنة « 9 » ، احتدم شواظها علينا بحرارة المصائب ، وصنوف الآفات ، ففزع الناس إلى الملك فلم يدر ما يجيبهم به ، فقالت له خاتون : أيها الملك : أن الحزم علق « 10 » ولا يخلق جديده « 11 » ولا يمتهن عزيزه ، وهو دليل الملك على استصلاح رعيته ، وزاجر
هامش
( 1 ) عند الاجترام : عند ارتكاب جريمة أو مخالفة .
( 2 ) قصرهم : كفّ عنهم .
( 3 ) حيال الشيء : قبالته وإزاءه .
( 4 ) نكالا : العقاب والتنكيل .
( 5 ) إنسان العين : بؤبؤ العين أو ناظرها .
( 6 ) القطا : طائر معروف .
( 7 ) اجعل العدة مادّة : أي الوعد بالعودة ممدودا ومستمرّا .
( 8 ) الفضل بن سهل : وزير الخليفة المأمون ، وقد سبقت ترجمته .
( 9 ) سنة : قحط ومجاعة .
( 10 ) العلق : الثوب الجيد أو النفيس من كل شيء لتعلق القلب به .
( 11 ) لا يخلق جديده : لا يصبح جديده خلقا باليا ولا عزيزه ممتهنا محتقرا .